}

آلية جديدة تثير مخاوف ارتفاع أسعار الدواء في مصر.. ما القصة؟

أخر تحديث 2026/10/13 10:34:00 ص
آلية جديدة تثير مخاوف ارتفاع أسعار الدواء في مصر.. ما القصة؟

آراب فاينانس: أثارت آلية التسعير الجديدة للدواء في مصر جدلًا بين ما هو مؤيد وبين من لديه مخاوف من أن تؤدي الآلية الجديدة لزيادات في أسعار الأدوية؛ ما يشكل عبئًا اقتصاديًا على المرضى، في ظل استمرار الشكاوى من نقص بعض العقاقير.

ورغم الإشادات الصادرة من قطاع المصنعين الذين رأوا في هذه الخطوة بيئة استثمارية عادلة تضمن استمرار خطوط الإنتاج دون خسائر، أثارت الآلية جدلًا واسعًا في الأوساط الطبية والرأي العام؛ إذ يحذر مراقبون وممثلو حماية المستهلك من تحول الدواء من سلعة استراتيجية مكفولة إلى معادلة صماء تحكمها تقلبات السوق، مما يضع الرعاية الصحية الأساسية تحت اختبار صعب.

واعتمدت هيئة الدواء المصرية (الجهة الحكومية المسؤولة عن تنظيم سوق الدواء)، نظامًا جديدًا لتحديد أسعار المستحضرات الدوائية، يربط الارتفاع أو الانخفاض بثلاثة مؤشرات اقتصادية، هي سعر الصرف والتضخم وأسعار الفائدة.

وأصدرت هيئة الدواء المصرية ، القرار رقم 480 لسنة 2026 بشأن ضوابط وإجراءات تسعير المستحضرات الطبية، وتضمن القرار قواعد جديدة لتسعير الأدوية المحلية والمستوردة والمستحضرات، إلى جانب آلية لمراجعة الأسعار في ضوء المتغيرات الاقتصادية كل 6 أشهر.

ويعد الدواء إحدى السلع المُسعرة جبريًا من الحكومة، كالمواد البترولية والخبز، وتضم السوق المصرية أكثر من 17 ألف دواء مسجل، حسب تقديرات نقابة صيادلة القاهرة.

وتستند آلية التسعير الجديدة إلى 3 مؤشرات اقتصادية، تشمل حركة سعر الصرف، وتمثل 60% من معادلة التسعير، إلى جانب معدل التضخم، ويمثل 30% من المعادلة، ثم التغير في أسعار الفائدة، وتشكل 10% في معادلة التسعير، وأتاح القرار إمكانية مراجعة معادلة التسعير خلال مدة أقل من 6 أشهر، حال حدوث ظروف استثنائية تستدعي ذلك.

وشدد القرار على أنه لا تُرفع أسعار المستحضرات؛ إلا إذا أظهرت المعادلة زيادة لا تقل عن 10%، مع استمرار المتغيرات الاقتصادية المؤثرة لمدة 45 يومًا على الأقل، وفي المقابل يمكن للهيئة خفض الأسعار إذا بلغت نسبة الانخفاض 10% على الأقل، واستمرت المتغيرات المؤثرة للمدة نفسها.

فؤاد: المنظومة الجديدة لتسعير الدواء لم تُعرض على الرأي العام والمجتمع المدني

ويؤكد محمود فؤاد المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء في تصريحات حصرية لـ "آراب فاينانس" أن مصر عرفت التسعير الجبري منذ 63 عامًا، والدواء في مصر من السلع المُسعرة جبريًا، موضحًا أن نحو 90% من المواد الخام الدوائية تأتي لمصر مستوردة من الخارج، وبالتالي هناك مؤثرات اقتصادية على سعر الدواء في مصر تتعلق بسعر الصرف، وقد ظهرت هنا بعض المشكلات للدواء في مصر مع التعويم الأول للجنيه مقابل العملات الأجنبية في عام 2016، ثم بعد ذلك تعويم 2018 تلاها تعويم 2024، وكلها قرارات أثرت على سعر الدواء في مصر.

وأوضح فؤاد أن هذه المؤثرات الاقتصادية أدت لارتفاع سعر الدواء لنسب تتراوح من 30 إلى 60%، وتحاول الحكومة المصرية التغلب على ذلك من خلال المفاوضات مع صناع الدواء وغرفة صناعة الدواء في مصر لتقليل نسب أرباح ومكاسب الشركات، والحصول على أسعار مناسبة للمرضى.

وأكد فؤاد أن البيئة الصناعية للدواء في مصر بيئة ممتازة، ولا يوجد لها مثيل حول العالم، خاصة مع وجود 184 مصنع مُعتمد، إلى جانب 40 مصنع جاري اعتمادهم، إلى جانب نحو ألف شركة تقوم بالتصنيع لدى الغير، فضلًا عن 8 شركات تابعة لقطاع الأعمال العام تعمل في صناعة الدواء، و22 شركة دواء عربية وعالمية تعمل في مصر، ولدى مصر اكتفاء ذاتي من الأدوية بنحو 90% لكن المشكلة الكبرى التي تواجه مصر هى نسبة الـ 10% من الدواء التي تستوردهم مصر من الخارج وهى أدوية تتعلق بالأمراض المزمنة.

معايير تسعير الدواء

وأشار فؤاد إلى أن هناك معايير مختلفة تحكم تسعير الدواء في مصر منها قوة ونفوذ الشركة في مصر لكنه أكد أن مصر وفق منظومة التسعير القديمة كانت تسعر وفق دول يطلق عليها الدول المرجعية ومنها الدول التي تشبه مصر في ظروفها مثل الأردن والسعودية، والجزائر وتركيا وكانت مصر تسعر الأدوية وفق هذه الدول المشابهة لمصر وبأقل سعر في هذه الدول بينما وفق منظومة التسعير الجديدة تم وضع مرجعيات غربية منها الاتحاد الأوروبي ومن المنطقة العربية الإمارات والتي تتتسم بارتفاع أسعار الدواء بها، كما أن دخل المواطن الإماراتي أعلى بكثير من المواطن المصري، وبالتالي سيكون هناك ارتفاعات كبيرة جدًا في سعر الدواء في مصر مما يضع عبء مالي كبير على المرضى في مصر.

وألمح فؤاد أن الآليات الجديدة لتسعير الدواء في مصر والتي تمت الموافقة عليها تشبه كثيرًا لجان تسعير البنزين حيث تجتمع اللجنة كل 6 أشهر لإقرار الزيادة في أصناف الدواء في مصر، والتي تزيد عن نحو 17 ألف صنف دوائي، وهذا بالطبع شئ غير منطقي، نظرًا لضخامة الأصناف وعددها الكبير متسائلًا: كيف ستنظر اللجنة في أرباح وخسائر كل هذه الأصناف؟.

وأضاف فؤاد أن الزيادة في سعر الدواء وفق المنظومة الجديدة للتسعير ستعتمد على آليات السوق الحر، مثل تغير سعر الصرف ونسب التضخم، والفوائد البنكية، وهى عوامل لا دخل للمرضى بها، في ظل الركود والكساد الاقتصادي الذي يعاني منه العالم كله، بالإضافة للعوامل الجيوسياسية التي تحيط به، والحرب بمنطقتنا إلى جانب حالة الاقتصاد المصري الذي يعاني أصلًا وليس في أفضل حال، وبالتالي فالمواطن المصري يعاني من عوامل اقتصادية ليس هو المسئول عنها في النهاية متوقعًا ارتفاع الأسعار مرتين كل عام وفق هذه الآلية الجديدة منوهًا بأن الآلية القديمة للتسعير كانت تتسم بأن سعر الدواء يكتب على العبوة لكن مع المنظومة الجديدة سيكون هناك البار كود أو تتبع الدواء وهو مشروع طموح سيحمي المصريين من الأدوية المغشوشة بالأسواق لكن في ذات الوقت سيكون وفق نظام البار كود أو التتبع سيكون به السعر أيضًا، وثقافة معظم المواطنين بالمناطق الشعبية لن تتوافق مع هذه الآلية، منتقدًا عدم عرض المنظومة الجديدة على الرأي العام والنقابات المهنية والمجتمع المدني ولجان الاستماع بمجلسي النواب والشيوخ لمناقشتها لأنها تتعلق بمصير أكثر من 110 مليون مواطن مصري وصحتهم حيث عرضت فقط على هيئة الدواء ثم نشرت بالجريدة الرسمية ولا شئ أكثر.

وشدد فؤاد في ختام حديثه لـ آراب فاينانس على أن المنظومة الجديدة لتسعير الدواء هى انصياع كامل للشركات خاصة الشركات الأجنبية والشركات متعددة الجنسيات العاملة في قطاع الدواء في مصر، وهى الشركات التي تمتلك الأدوية الأكثر مبيعًا في السوق المصرية، لافتًا إلى أن السوق المصرية حققت مبيعات في مجال الدواء تجاوزت 400 مليار جنيه، ونسب نمو تجاوزت 10%، وهى نسب عالية جدًا، موضحًا أن القرار الجديد هو إجحاف في حق المواطنين المصريين الذي لا يمتلك عدد كبير منهم تأمين صحي وتمثل ميزانية الحصول على الدواء عبء مالي كبير.  

ووفق وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبد الغفار فإن عدد المواطنين المسجلين في منظومة التأمين الصحي القائمة يبلغ 70 مليون مواطن إلى جانب 25 مليون طفل تغطيهم المنظومة منذ الطفولة وحتى مراحل عمرية لاحقة، بينما  المستفيدون من منظومة "التأمين الصحي الشامل" الجديدة بلغ عددهم نحو 5.4 مليون مواطن مسجل حتى يونيو 2026 في المحافظات التي تم تطبيق المنظومة بها.

مساعد رئيس هيئة الدواء: الآلية الجديدة تحقق توفر بدائل علاجية مختلفة أمام المرضى

على الجانب الآخر أكد الدكتور يس رجائي، مساعد رئيس هيئة الدواء المصرية، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن هناك متغيرات اقتصادية محلية وعالمية كانت تستدعي تغيير الآلية القديمة للتسعير واستبدالها بآلية جديدة خاصة أنها وضعت منذ 14 عامًا دون تغيير، لافتًا إلى أن الآلية الجديدة تراعي إتاحة الأدوية الجديدة وفق الحوكمة والشفافية ومصر ستكون وفق الآلية الجديدة من أوائل الدول التي تتيح الأدوية المبتكرة التي تظهر حديثًا في بعض الدول مما يعطي فرص أكبر للمنظومة الصحية وللمريض أيضًا بالحصول على بدائل علاجية مختلفة وبسعر عادل له.

وأكد رجائي أن الآلية الجديدة ستسمح للشركات العالمية التي ترغب في الاستثمار في مصر بالتنبؤ بتكاليف الاستثمار، ومن ثم المساهمة في توطين صناعة الدواء في مصر، بما يسمح بمعادلة اقتصادية واضحة للمستثمر إلى جانب أيضًا أن هيئة الدواء المصرية، معتمدة من منظمة الصحة العالمية وبالتالي كان يجب وضع بيئة تنظيمية قوية تسمح بتشجيع الشركات العالمية للدواء للاستثمار في مصر استنادًا لمعايير تتسم بالحوكمة والوضوح.

عوف: الآلية الجديدة تحقق التوازن بين جميع الأطراف

من جانبه اعتبر الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية بالقاهرة في تصريحات لـ آراب فاينانس أن الآلية الجديدة لتسعير الدواء ستحقق  التوازن بين شركات الأدوية والصيادلة والمرضى منوهًا بأن القرار كان ضروريًا لتحقيق التوازن في معادلة الأسعار بسوق الدواء، خاصة أن آخر قرار لتسعير الدواء كان منذ عام 2012 رغم الآثار الاقتصادية التي انعكست على سعر الصرف داخل البلاد.

وأوضح عوف أن القرار الجديد يتعلق بالأدوية التي ستدخل مصر حديثًا حيث تراعي الآلية الجديدة البعد الاقتصادي للشركات وللمريض وللموزعين وللصيدليات، وتتسم كذلك بالوضوح والشفافية في نظام التسعير، وهذا بالطبع يهم الشركات التي ترغب في ضخ استثمارات جديدة في قطاع الأدوية في مصر، لتكون دراسات الجدوى لها قائمة على هذا النظام والسعر المتوقع للبيع بناء على التكاليف.

وأكد عوف أن آلية التسعير الجديدة ستحل أزمة نقص بعض الأدوية، الناتجة عن زيادة التكاليف والخسارة التي كان يتعرض لها المٌصنعون وفق الآلية السابقة للتسعير وبالتالي فوجود نظام التسعير الجديدة سيعالج هذه الإشكالية خاصة أن شركات الأدوية ستستمر في الإنتاج ولن تخفض أو تتوقف عن إنتاجها طالما أنها لا تتعرض للخسائر وهو ما سيسمح بالاستدامة والنمو للشركات ويحقق كذلك مصلحة المرضى في الحصول على الأدوية دون حدوث نقص بالأسواق.

وأكد عوف أن الآلية الجديدة ستشجع الشركات الأجنبية العالمية والعاملة في قطاع الدواء على دخول السوق المصرية، وضخ الاستثمارات خاصة مع وضوح سياسة التسعير الجديدة حيث كانت السياسة السابقة للتسعير تعوق ضخ استثمارات جديدة.

وحول الضمانات التي تم وضعها ضمن الآلية الجديدة للتسعير لعدم حدوث زيادات عشوائية في الأسعار قال عوف إنه لن تستطيع أي شركة مصنعة زيادة الأسعار بشكل فردي لأن هيئة الدواء وضعت شروط لذلك وهو العرض على اللجنة المختصة للتسعير بالهيئة قبل الزيادة الجديدة، وهي التي تقر بالزيادة بناء على التكاليف الفعلية.  

وحسب الدكتور علي الغمراوي  رئيس هيئة الدواء المصرية فإن حجم تداول الأدوية في السوق المصري بلغ نحو 4 مليارات عبوة بقيمة إجمالية قدرها 438 مليار جنيه خلال عام 2025، مقارنة بـ 3.5 مليار عبوة بقيمة 309 مليارات جنيه في عام 2024، بما يعكس معدل نمو قدره 12% في عدد العبوات و42% في القيمة السوقية.  

 

أخبار مشابهة