آراب فاينانس: توقع عدد من خبراء العقارات والبناء في مصر ارتفاع أسعار العقارات بعد الزيادة الأخيرة في سعر الحديد والتي وصلت لنحو ألف جنيه للطن إلى جانب العوامل التضخمية الأخرى وارتفاع سعر الفائدة على تمويل المشروعات العقارية ما يؤدي في النهاية إلى تحديات تواجه تسليم الوحدات العقارية في موعدها المتفق عليه مع العملاء من جانب المطوريين العقاريين.
وأعلنت الهيئة العامة للتنمية الصناعية، مؤخرًا طرح 8 رخص جديدة لإنتاج خام البليت بإجمالى طاقة إنتاجية تصل إلى 2.8 مليون طن سنويًا، فى إطار جهود الدولة لزيادة الطاقة الإنتاجية المحلية من منتجات الصلب وتعميق التصنيع المحلى.
وفى أبريل الماضى، أعلنت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية عن فرض رسوم وقائية نهائية على واردات البليت بنسبة تصل إلى 13% لمدة 3 سنوات، بعد فترة من الرسوم المؤقتة التى فرضت فى سبتمبر 2025 بنسبة 16.2%، بهدف حماية الصناعة المحلية من الممارسات الضارة، والحد من تأثير الواردات على تنافسية المنتج المحلى.
تزامن ذلك مع إقرار لجنة التجارة الدولية الأمريكية، استمرار الإجراءات الحمائية على واردات حديد التسليح من مصر، بعدما أصدرت تقييمًا نهائيًا بأنها ألحقت ضررًا ماديًا بالصناعة الأمريكية، لتغلق بذلك المرحلة الأخيرة من التحقيقات التي أجرتها الولايات المتحدة بشأن قضيتي الدعم الحكومي والإغراق المزعوم للحديد المصري.
وبناءً على القرار الأخير، سيستمر فرض رسوم مكافحة الإغراق على واردات الحديد والصلب المصرية، والتي تُفرض على الواردات التي ترى السلطات الأمريكية أنها تُباع في السوق المحلية بسعر أقل من قيمتها العادلة، إلى جانب رسوم مكافحة الدعم، والتي تستهدف تعويض أثر الدعم الحكومي المصري الذي تحصل عليه الشركات المصدرة، في أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء.
وتضمنت القرارات تحديد هوامش إغراق للشركات المصرية تراوحت بين 34.20% لمجموعة حديد عز، و52.73% لشركتي المراكبي للصلب والسويس للصلب، إلى جانب فرض رسوم تعويضية لمكافحة الدعم بنسبة 29.51%.
تأثير ارتفاع سعر الحديد على أسعار العقارات
وحول حجم تأثير الحديد على تكلفة الوحدة وأسعار العقارات أكد المهندس محمد البستاني، رئيس جمعية المطورين العقاريين في تصريحات حصرية لـ آراب فايناس أنه لا توجد نسبة واحدة تصلح لكل المشروعات؛ فهي تختلف بحسب النظام الإنشائي وعدد الأدوار ومستوى التشطيب، فالحديد عنصر مؤثر في تكلفة البناء، لكن ارتفاعه بنسبة معينة لا يعني ارتفاع سعر العقار بالنسبة نفسها، فإذا افترضنا، على سبيل التوضيح، أن الحديد يمثل 12? من تكلفة التنفيذ وارتفع سعره 5?، فإن أثره الحسابي المباشر على تكلفة التنفيذ يقارب 0.6?، قبل حساب أي تغيرات في البنود الأخرى، أما سعر البيع فتؤثر فيه أيضًا تكلفة الأرض والتمويل والمرافق والتسويق ومدة السداد، لذلك لا أرى أساسًا مهنيًا لإعلان نسبة عامة لارتفاع العقارات استنادًا إلى زيادة الحديد وحدها.
و حول وجود بدائل هندسية يمكنها أن تقلل استخدام الحديد أكد البستاني أنه بالفعل يمكن تحسين التصميم الإنشائي وتقليل الهدر، ودراسة أنظمة بناء مناسبة لطبيعة المشروع، واستخدام مكونات أخف في الأجزاء التي تسمح بذلك، لكن أي تغيير إنشائي يجب أن يقرره مهندس مختص بعد الحسابات والاعتمادات اللازمة؛ فلا يجوز تخفيض كمية الحديد على حساب الأمان أو مخالفة الكود والمواصفات.
وارتفع إنتاج مصر من حديد التسليح 13.36% خلال النصف الأول من العام 2026 ليبلغ 4.4 مليون طن، مقابل 3.9 مليون طن في النصف الأول من 2025، وفق بيانات منظمة الصلب العالمية.
وأضاف البستاني أن امتصاص الشركات لصدمة ارتفاع الأسعار يتوقف على موقف كل مشروع من حيث حجم الأعمال المتبقية، وما تم شراؤه من خامات، والتدفقات النقدية، وهامش الربح الفعلي، فالمطور المنضبط قد يمتص جزءًا من الزيادة من هامشه أو من خلال تحسين المشتريات والتنفيذ، لكنه لا يستطيع امتصاص زيادات متراكمة في جميع المدخلات إلى ما لا نهاية، وفي المقابل، ترحيل الزيادة بالكامل إلى العميل قد يضعف المبيعات؛ لذلك يكون التعامل عادة بمزيج من الإجراءات، وليس بقرار تسعير آلي.
من جانبه قال شريف طه، الخبير والمستشار العقاري، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن ارتفاع أسعار الحديد يعد أحد الأسباب المؤثرة في ارتفاع سعر العقارات لكن ليس هو السبب الوحيد حيث هناك حاليًا ما يمكن أن نصفه بحالة من التأزم في سوق العقارات نتيجة ارتفاع سعر الأراضي وندرتها مع انتشار نوع من المطوريين العقاريين بالأسواق غير مؤهلين أصلا لممارسة النشاط العقاري حيث يفتقدوا للملاءة المالية التي تساعدهم في ممارسة النشاط العقاري إلى جانب افتقادهم للخبرات الكافية أيضًا لتنفيذ المشروعات السكينة والإدارية في موعدها، حيث يقوموا بما يسمى "حرق الأسعار" وهى تعني بيع الأراضي بأسعار أقل من تكلفة البناء لجذب أكبر عدد من العملاء إليهم، وهذا بالطبع يضر بالشركات الجادة، لذلك ينبغي وضع حد أدنى للسعر لأن هناك من يستخدم هذه السياسة مما يضر بالمطوريين العقاريين الآخرين وفي النهاية لا يتم المشروع ويحدث تعثر له نتيجة هذه السياسات.
وحول ضرورة وجود اتحاد عام ينظم العلاقة بين أطراف السوق العقاري من مموليين وعملاء ومطوريين عقاريين أضاف طه أن هذا هو دور الدولة ممثلة في وزارة الإسكان وكذلك الهيئة العمرانية الجديدة والتي يعد أحد أدوارها تنظيم هذه العلاقة لافتًا إلى أنه لا حاجة لاتحاد أهلي ينظم هذه العلاقة، وأنه سيزيد الأمور تعقيدًا وسيزيد كذلك من الأعباء المالية على المستهلك النهائي للوحدات العقارية.
وطالب طه، الدولة ممثلة في وزارة الإسكان بضرورة وضع شروط لممارسة نشاط التطوير العقاري والحصول على الأراضي المخصصة للبناء من وزارة الإسكان مثل سابقة الأعمال والملاءة المالية الكافية لتنفيذ المشروعات موضحًا أن طول مدة تنفيذ المشروعات السكنية وتسليمها على فترات متباعدة من جانب الشركات العقارية يعرض الشركات لعوامل التضخم وتباين سعر العملة وسعر الصرف وارتفاع سعر الفائدة مما يزيد من التكاليف النهائية للمشروع، ويرفع عوامل المخاطرة.
ينبغي احترام العقود القائمة وعدم رفع الأسعار
بينما يشير البستاني إلى أن الوحدات المبيعة بأسعار قديمة مع العملاء يجب احترامها حيث إن العقود القائمة يجب احترامها وفق شروطها، ومسؤولية المطور هنا أن يعيد تقدير التكلفة المتبقية، ويؤمّن احتياجات التنفيذ، ويرتب أولويات الصرف ويحافظ على الجدول الزمني قدر الإمكان، ولا يجوز اعتبار ارتفاع الخامات مبررًا تلقائيًا لزيادة سعر وحدة سبق بيعها بعقد ثابت، هذه النقطة تحديدًا تكشف أهمية التسعير الواقعي والاحتفاظ باحتياطي لمخاطر تغير الأسعار عند طرح أي مشروع، مؤكدًا أن ارتفاع سعر الوحدات الجديدة قد يزيد اهتمام بعض المشترين بإعادة البيع، خصوصًا الوحدات المكتملة التي يمكن معاينتها واستلامها سريعًا، لكن المقارنة يجب أن تشمل السعر الإجمالي، والمبلغ المطلوب دفعه فورًا، والأقساط المتبقية، ورسوم التنازل، وحالة الوحدة، فالوحدة المكتملة تمنح وضوحًا أكبر بشأن ما سيحصل عليه المشتري، لكن سعرها ليس ثابتًا أو مضمون الارتفاع.
وحول توقعاته بالركود التضخمي في سوق العقارات يرى البستاني أن هناك ضغطًا واضحًا على القدرة الشرائية، وقد يظهر أثره في تباطؤ قرارات الشراء أو اتجاه العملاء إلى مساحات أصغر وخطط سداد أطول، لكن وصف السوق كله بالركود يحتاج إلى بيانات عن المبيعات الفعلية والتنفيذ والتسليم، وليس متابعة الأسعار المعلنة وحدها، فالعقار يظل خيارًا للادخار لدى شريحة من المصريين، لكن المشتري اليوم أكثر تدقيقًا في السعر، وموقع المشروع، وقدرة الشركة على التسليم، منوهًا بأن مدد السداد الأطول تخفف قيمة القسط، لكنها تؤخر تحصيل أموال تحتاجها الشركة للبناء، وتزيد تعرضها لتغير تكلفة التنفيذ، لذلك لا بد أن ترتبط خطة السداد بدراسة تدفقات نقدية حقيقية، ونسبة مقدم مناسبة، وتقدم منتظم في الأعمال، ولا توجد مدة واحدة آمنة لكل الشركات والمشروعات، ولا ينبغي أن تتحول المنافسة في عدد سنوات التقسيط إلى ضغط يهدد التسليم.
وفيما يتعلق بالقرارات التي ينبغي على المطوريين العقاريين اتخاذها في شأن إبطاء البناء أو تسريعه قال البستاني إن إيقاف التنفيذ انتظارًا لانخفاض الأسعار قد يضاعف المشكلة، فتكلفة التمويل والعمالة تستمر، والتسليم يتأخر، وثقة العميل تتأثر، والأفضل هو الاستمرار وفق برنامج مدروس، مع شراء الخامات على مراحل أو تثبيت أسعارها بعقود مناسبة متى أمكن، بدل التوسع غير المحسوب أو التوقف المفتوح.
وشدد البستاني على أن الشركات التي باعت بأسعار غير مدروسة، أو اعتمدت على مبيعات جديدة لتمويل التزامات قديمة، ستكون الأكثر تعرضًا للضغط، وقد نرى شراكات أو دخول مستثمرين أو إعادة هيكلة لدى بعض المطورين، وهنا قد يكون الاندماج حلًا جيدًا عندما يعزز التمويل والقدرة على التنفيذ ويحفظ حقوق العملاء، لكن لا أرى أن حجم الشركة وحده هو معيار قوتها؛ فالمعيار هو الملاءة والانضباط والقدرة على التسليم.
وحول توقعاته للسوق العقاري خلال عام من الآن قال: لا أستطيع إعطاء نسبة موحدة لزيادة الأسعار خلال عام؛ فالمسار سيتوقف على أسعار الخامات والفائدة وسعر الصرف، وعلى حجم الطلب الحقيقي في كل منطقة لكنني أتوقع تفاوتًا أكبر بين مشروع جاهز أو متقدم في التنفيذ ومشروع لا يزال في بدايته، وعلى من يشتري للسكن أن يبدأ بقدرته على تحمل الأقساط، وأن يفحص العقد والموعد الفعلي للتسليم وسجل المطور، ومن يشتري للاستثمار عليه حساب العائد والسيولة وتكلفة إعادة البيع، لا الاكتفاء بتوقع ارتفاع السعر المعلن.
وفي ختام حديثه لـ آراب فاينانس أكد البستاني أن القطاع العقاري يحتاج تمويلًا مرتبطًا بمراحل التنفيذ وتقدم الأعمال، وأدوات تمويل عقاري أوسع للمشتري النهائي، وسرعة في إجراءات التراخيص والمرافق والاستلام حتى لا تتحول فترات الانتظار إلى تكلفة إضافية. كما نحتاج بيانات أكثر انتظامًا ووضوحًا عن أسعار مدخلات البناء، وتشجيع العقود التي تنظم مخاطر تغير الأسعار في الأعمال المستقبلية مع حماية العقود وحقوق المشترين، فدعم القطاع الحقيقي هو ما يساعد الشركات الجادة على البناء والتسليم، لا ما يشجع على طرح وحدات تفوق قدرتها التنفيذية.