}

الصراع على كنز أفريقيا الثمين.. لماذا تسيطر الدول الكبرى على معادن القارة؟

أخر تحديث 2026/07/07 10:36:00 ص
الصراع على كنز أفريقيا الثمين.. لماذا تسيطر الدول الكبرى على معادن القارة؟

آراب فاينانس: تمتلك أفريقيا نحو 30% من احتياطيات المعادن عالميًا، وهي بذلك باتت المحرك الأساسي للثورة الصناعية الرابعة، فهذا الرقم الكبير جعل من مناجم القارة من الكوبالت واليتريوم اللازمين لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية والهواتف الذكية، إلى النحاس والليثيوم اللذين يُشكلان عصب الطاقة المتجددة والصناعات العسكرية الحيوية، هدف للعديد من الشركات العالمية ومتعددة الجنسيات، والسؤال الأهم هنا، والذي يتردد في أروقة العواصم الأفريقية، لماذا يزداد مواطنو القارة فقرًا كلما ازدادت أرضهم غنى؟ وكيف تحولت عقود التنقيب والامتيازات إلى عقود إذعان وإجحاف يهدد بوقوع القارة في شباك تبعية اقتصادية من نوع جديد؟

وتولي الحكومة المصرية اهتمام استراتيجي بأفريقيا، حيث أكد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، خلال اجتماع عقد مؤخرًا بمجلس الوزراء أن مصر تمتلك بالفعل حضورًا قويًا ومؤثرًا في القارة الأفريقية، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدًا من التنسيق المتكامل بين كافة جهات الدولة، لضمان تحقيق رؤية وتوجيهات رئيس الجمهورية، بتوسيع آفاق التعاون مع الأشقاء الأفارقة، لا سيما في الشق الاقتصادي؛ مؤكداً في هذا الصدد أهمية تكاتف جهود الحكومة والقطاع المصرفي والقطاع الخاص، والتحرك الجماعي نحو تعزيز الشراكات في مختلف أسواق القارة.

من جانبه قال أسامة فهمي، الرئيس التنفيذي لشركة جيت زون إنترناشيونال العاملة في العديد من الدول الأفريقية في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن قضية السيطرة على معادن الدول الأفريقية لها العديد من الأبعاد السياسية بخلال البعد الاقتصادي، فمُعظم هذه المعادن التي تمتلكها القارة الأفريقية تخرج بشكل خام من مناجم أفريقيا للعديد من الدول الغربية التي تستخدمها في صناعات حيوية هامة مثل فرنسا وأمريكا، لكن الإشكالية هنا هي كيفية توطين الصناعة في الدول الأفريقية لتحقيق مصالح شعوبها، وتصنيع هذه المعادن داخل الدول الأفريقية لتصديرها في شكل منتجات صناعية بدلًا من الخام.

وأضاف فهمي، أنه ينبغي أن تكون هناك إرادة حكومية لتحويل الدول الأفريقية لدول صناعية، خاصة أن هذه المعادن تدخل في صناعات حيوية مثل صناعة السلاح وصناعة الرقائق الإلكترونية، منوهًا بأن هناك ضُغوط سياسية تُمارس على بعض الدول الأفريقية لخضوع ثرواتها المعدنية لدول غربية، خاصة المعادن النادرة والتي عليها طلب واحتكار من جانب بعض الشركات العالمية.

ضرورة توطين الصناعة

وأكد فهمي، أن الحل هنا يكمن في التصنيع لافتًا إلى أن شركة جيث زون التي يرأسها بصدد إطلاق مبادرة للتصنيع بالدول الأفريقية في عدد من الصناعات، بشراكة مع البنك الأفريقي، وعدد من الجهات الأخرى، حيث ترأس المبادرة دعاء سليمة المدير التنفيذي لمركز تحديث الصناعة التابع لوزارة الصناعة المصرية، إذ سيتم تدشين عدد من المصانع بدول أفريقية حيث سنبدأ بمصانع للأجهزة المنزلية، ومن خلال هذه المصانع سيتم التصدير لدول مجاورة، حيث أصبحت بعض الدول الأفريقية تمتلك البنية التحتية والكهرباء والطاقة اللازمة للصناعة، لكنها تحتاج للتكنولوجيا اللازمة للصناعة وهذا ما ستقوم به المبادرة الخاصة بشركة جيت زون للتصنيع بأفريقيا من خلال كبار المصنعين بالقارة ومنهم شركات مصرية وسيعرض الأمر على وزير الصناعة المصري، كما تشارك المملكة العربية السعودية في هذه المبادرة حيث ستقوم بتأسيس عدد من المصانع في عدد من الدول الأفريقية لانخفاض التكاليف بها مثل مصر وغيرها من الدول الأفريقية حيث تستهدف المبادرة الاستثمار والتصنيع في نحو 9 دول أفريقية.

وحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء فقد وصلت قيمة التبــادل التجاري بين مصــر ودول الاتحاد الإفريقـي إلى 9.6 مليار دولار خــلال عـام 2025 مقابل 9.9 مليار دولار عن العام السابق 2024

ووفق بيانات الإحصاء، بلغت قيمة الصادرات المصرية من دول الاتحاد الإفريقي 7.6 مليار دولار خلال عام 2025 مقابل 7.8 مليار دولار عن العام السابق 2024، وجاءت ليبيـا على رأس قائمـة أعلـى دول الاتحـاد الإفريقي اسـتيرادًا من مصـر خلال عام 2025، حيث بلغت قيمة صادرات مصر لها 1.5 مليار دولار، يليها الجزائر 1.2 مليار دولار، يليها المغرب 1.1 مليار دولار.

وأوضحت البيانات أن السودان فى المرتبة الأولى للصادرات المصرية بما قيمته 929.2 مليون دولار وكان أهم الأصناف التى تم تصديرها إلى السودان أسمدة، لدائن ومصنوعاتها "مواد خام لصناعة البلاستيك"، ثم جاءت في المرتبة الثانية كينيا بما قيمته 355.7 مليون دولار. 

وبلغت قيمة الواردات المصرية من دول الاتحاد الأفريقي 2 مليار دولار خلال عام 2025 مقابل 2.1 مليار دولار عن العام السابق 2024، حيث تصدرت الكونغو الديموقراطية قائمة أعلى دول الاتحاد الإفريقى تصديرًا لمصر خلال عام 2025، حيث بلغت قيمة واردات مصر منها 447.4 مليون دولار، يليها السودان 277.2 مليون دولار، يليها كينيا 264.1 مليون دولار.

وكشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن ترتيب أهم السلع المستوردة من أفريقيا وعلى رأسها النحاس ومصنوعاته بلغت قيمة الواردات 872 مليون دولار بنسبة 50.8% من إجمالي السلع، وحيوانات حية بلغت قيمة الواردات 206 مليون دولار بنسبة 12% من إجمالي السلع، وبن وشاي وبهارات وبلغت قيمة الواردات 303 مليون دولار بنسبة 17.7% من إجمالي السلع.

وأوضح فهمي أن تصنيع المواد المعدنية الخام داخل القارة الأفريقية، سيساهم في تعزيز السيادة الأفريقية على الموارد والثروات المعدنية، كما يوفر العديد من فرص العمل لأبناء القارة الأفريقية، مما يحسن أيضًا من اقتصاد هذه الدول عبر خطط وشراكات صناعية، مما يساهم في النمو الاقتصادي.

بينما يرى الدكتور عز الدين حسانين، الخبير الاقتصادي وأستاذ التمويل والاستثمار أن هناك صعوبة تتعلق بسيطرة الشعوب الأفريقية على مواردها التعدينية نتيجة استحواذ الدول الأوروبية والغربية على معظم المناجم التعدينية بالقارة، والأمر يتعلق بالتبعية الاقتصادية لمعظم هذه الدول منذ العهود الاستعمارية، مثل فرنسا التي تسيطر على نحو 16 دولة أفريقية وسط وغرب أفريقيا وبعض هذه الدول لاتزال عملاتها الوطنية تطبع في فرنسا، فالفرنك الأفريقي المعروف بـ "سيبا" لايزال يطبع في أوروبا بضمانة أوروبية، وبالتالي فالدول الغربية تسيطر على مناجم وآبار بترول العديد من الدول الأفريقية.

وأوضح عز الدين أن التبعية الاقتصادية لأفريقيا لاتزال تحت السيطرة الأوروبية والغربية رغبة في الاستحواذ على المعادن الحيوية، والحرب الجارية حاليًا هي حرب المعادن، حيث تعتمد الصناعات الفائقة على معادن نادرة موجودة في العديد من الدول الأفريقية، وإن كان هناك إجراءات تتُخذ حاليًا لإنشاء بنك الذهب الأفريقي، في مصر لتكون مصر مقر رئيسي للذهب الأفريقي.

وأعلن جورج إلومبي رئيس البنك الإفريقي للاستيراد والتصدير، مايو الماضي أن إجراءات تدشين بنك إفريقي للذهب مقره مصر ستبدأ قريبًا، في إطار خطة تستهدف تعزيز استفادة القارة من ثرواتها المعدنية.

وكانت مصر والبنك الإفريقي للاستيراد والتصدير قد وقعا في ديسمبر الماضي اتفاقية لإنشاء بنك الذهب، تشمل تأسيس مصفاة ذهب معتمدة دوليا ومرافق تخزين آمنة، إلى جانب تقديم خدمات مالية وتداول متخصصة مرتبطة بالذهب.

وناقشت اللجنة العليا للذهب خلال اجتماعها الأول برئاسة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، يناير الماضي مشروع إنشاء أول مصفاة ذهب مصرية متخصصة في تنقية الذهب الخام ورفع درجة نقاوته ليصل إلى المعايير الدولية للتداول والتصدير، والتي سيكون بإمكانها خدمة دول الجوار أيضًا، حيث من المقرر إنشائها بالعاصمة الإدارية الجديدة.

وتهدف المبادرة إلى تقليل تكاليف تكرير ونقل الذهب للخارج والحفاظ على ثروات أفريقيا، مع مشاركة متوقعة من الحكومات والبنوك المركزية وشركات التعدين والمؤسسات العاملة بقطاع الذهب في مختلف الدول الإفريقية.

ثروات تعدينية لا تتلاءم مع الاقتصاد الأفريقي

من جانبه يقول الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد الطبيعية والجيولوجيا والرئيس الأسبق لقسم الموارد الطبيعية بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة، إن القارة الأفريقية قارة غنية بالمعادن، وتحتوي على ثلث ثروات العالم كاحتياطي، ونتيجة الضعف الاقتصادي والبحث العلمي فالاكتشافات المعدنية قليلة بدول القارة السمراء، مما يعوق البحث والتنقيب عن الثروات.

وأوضح شراقي، أنه رغم غني القارة الأفريقية بالمعادن مثل اليورانيوم نجد أنه لا يوجد سوى مفاعلين نوويين فقط بجنوب أفريقيا، حيث تستفيد الدول النووية الخمس الكبرى، على رأسهم فرنسا حيث تستحوذ على النصيب الأكبر من اليورانيوم خاصة من دولة النيجر، حيث يتوفر اليورانيوم بها بكثرة إلى جانب دولة ناميبيا، وفضلًا عن اليورانيوم هناك معادن الليثيوم والتي تستخدم في بطاريات الأجهزة الإلكترونية حيث تتوفر في العديد من دول شرق أفريقيا.

وحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء فقد بلغت قيمة استثمارات دول الاتحاد الإفريقي بمصر 343 مليون دولار خلال العام المالي 2024/2025، بينما بلغت قيمة الاستثمارات المصرية في دول الاتحاد الإفريقى 756 مليون دولار خلال نفس الفترة.

ويشير فهمي إلى أن هناك الكثير من الدول الأفريقية بها فرص اقتصادية متميزة مثل الجزائر، ويمكن للشركات المصرية استغلال هذه الفرص للاستثمار هناك، وكذلك دول مثل تنزانيا في شرق أفريقيا إلى جانب كينيا، وغانا، وأنجولا التي بها العديد من الثروات المعدنية والبترولية إلى جانب تمتعها ببنية تحتية وتشريعية قوية.

ويوضح شراقي، أن بعض الدول والشركات العالمية الكبرى تتنافس على معادن، وثروات القارة الأفريقية، والتي كانت سببًا من أسباب الاستعمار الأوربي للعديد من الدول الأفريقية في الماضي بينما الآن هناك نوع من السيطرة على مقدرات وثروات هذه الدول بشكل جديد، من خلال الشركات العالمية ومتعددة الجنسيات، وعلى سبيل المثال الاستعمار الهولندي لجنوب أفريقيا كان أحد أسبابه السيطرة على الماس والذهب، وتعد جنوب أفريقيا من الدول الرائدة عالميًا في المعادن مثل النيكل واليورانيوم والماس والحديد والنحاس غيرها من المعادن والعناصر المهمة، والنادرة المستخدمة في الصناعة.

السيطرة على الماس والذهب

وأوضح الخبير في الشئون الأفريقية أن الصين وأمريكا والعديد من دول الاتحاد الأوروبي، لاتزال تتنافس على معادن وثروات القارة الأفريقية، في ظل ضعف حكومات العديد من الدول الأفريقية إلى جانب انتشار الفساد وغياب الرقابة في بعضها، مما يساهم في حصول الشركات الأجنبية العالمية في تنفيذ عقود للحصول على خامات وثروات الدول الأفريقية بأقل الأسعار، فضلا عن تهريب بعض المعادن الهامة مثل الماس الذي يتم تهريبه من الكونغو وليبيريا إلى أوغندا ومن أوغندا يُهرب إلى بعض الدول مثل إسرائيل غيرها بطرق غير شرعية وبأسعار زهيدة.

وشدد شراقي، على أن هناك بعض الدول تستفيد من بقاء الأوضاع. كما هي ببعض الدول الأفريقية مثل عدم الاستقرار والاضطرابات والفوضى، وتفشي الفساد لتحقيق مصالحها الشخصية والسيطرة على موارد القارة.

وطالب شراقي، بأهمية وجود تشريعات قوية وبنية تحتية قوية، إلى جانب الخبرات الفنية والتكنولوجية، مما يشجع الشركات الكبرى للاستثمار في أفريقيا، وتحقيق مصالح شعوب القارة لتستفيد من هذه الموارد خاصة دول جنوب الصحراء التي تعاني من نقص الخدمات والبنية التحتية وتعاني من حياة غير آدمية رغم غنى هذه الدول بالعديد من الثروات الطبيعية.

وخلال اجتماع هام في مارس الماضي عقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، اجتماعًا لبحث سبل تعزيز ودفع أطر التعاون مع الدول الأفريقية الشقيقة في مختلف المجالات، حيث أكد مدبولي أن هناك توجيهات محددة من الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، بضرورة تعزيز ودفع أطر التعاون مع الدول الأفريقية الشقيقة خلال المرحلة الراهنة؛ بما يسهم في ترسيخ وتوطيد العلاقات التاريخية والمشتركة، وبما يحقق المصالح المتبادلة لشعوب القارة.

أخبار مشابهة