آراب فاينانس: في الوقت الذي تحظر فيه جهات دولية مادة ثاني أكسيد التيتانيوم والمعروفة بـ E171 تفجرت حديثًا أزمة تتعلق بإضافة هذه المادة لـ عصير القصب المشروب الشعبي الأشهر في مصر، حيث تعد تلك المادة من المواد المحظورة في الاتحاد الأوروبي لتأثيرها على الصحة العامة.
وكانت وزارة التموين والتجارة الداخلية قد كشفت من خلال حملاتها الرقابية عن ضبط عدد من المخالفات المتعلقة باستخدام مادة ثاني أكسيد التيتانيوم في تغيير خواص ومظهر عصير القصب بالمخالفة للاشتراطات والضوابط المنظمة، وذلك في إطار جهود الوزارة للتصدي لكافة صور الغش التجاري والتدليس في المنتجات الغذائية.
وفي محافظة أسيوط، تمكنت إدارة تموين القوصية من ضبط أحد محال بيع عصير القصب لقيامه باستخدام مادة ثاني أكسيد التيتانيوم. كما تمكنت إدارة تموين طوخ بمحافظة القليوبية، بالاشتراك مع جهاز حماية المستهلك ومجلس مدينة طوخ، من ضبط كمية بلغت نحو 14 كيلو جرامًا من نفس هذه المادة داخل عربة عصائر متنقلة.
مادة التيتانيوم محظورة بالاتحاد الأوروبي
من جانبه قال الدكتور حسين خالد، وزير التعليم العالي الأسبق، وعميد المعهد القومي للأورام الأسبق، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن ثاني أكسيد التيتانيوم، هو مركب كيميائي أبيض اللون يُستخدم على نطاق واسع في العديد من الصناعات حول العالم، ويشتهر بقدرته الكبيرة على منح المنتجات لونًا أبيض ناصعًا وزيادة درجة السطوع، ولهذا السبب يدخل في تصنيع الدهانات والبلاستيك والورق ومستحضرات التجميل ومعاجين الأسنان، كما استُخدم سابقًا في بعض المنتجات الغذائية لتحسين المظهر الخارجي.
كما صنفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان وفق خالد المادة باعتبارها "قد تكون مسرطنة للإنسان" عند استنشاقها بكميات كبيرة في بيئات العمل الصناعية، وهو تصنيف يرتبط بالتعرض المهني للمادة وليس بتناولها في الطعام بصورة مباشرة.
كذلك قرر الاتحاد الأوروبي وقف استخدام ثاني أكسيد التيتانيوم كمضاف غذائي، بعدما اعتبرت الجهات العلمية أن البيانات المتاحة لا تسمح باستبعاد المخاوف المتعلقة بسلامة المادة بشكل كامل، خصوصًا فيما يتعلق بتأثيرها المحتمل على المادة الوراثية للخلايا وفق تصريحات عميد المعهد القومي للأورام الأسبق.
ارتباط المادة بالسُمية الجينية للإنسان
بينما قالت الدكتورة شيرين علي زكي، الرئيسة السابقة للجنة سلامة الغذاء بنقابة البيطريين في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن مادة ثاني أكسيد التيتانيوم من المواد الخطرة على صحة الإنسان، ومن المواد التي تحظرها دول الاتحاد الأوروبي لخطورتها وصلتها وارتباطها بالسمية الجينية التي يمكنها أن تحدث طفرات جينية تصيب ببعض الأورام السرطانية، إلى جانب حظر المادة في بعض الدول العربية كالأردن وسوريا واليمن.
وأضافت زكي، أن فرنسا على سبيل المثال تحظر استخدام هذه المادة في الغذاء منذ عام 2018، لأنها من المواد المسرطنة المحتملة، حيث تتسم بأن موادها متناهية الدقة، وبالتالي تكون قادرة على النفاذ للخلايا وتدميرها إلى جانب المشكلات التي تسببها للجهاز الهضمي، والالتهابات في جدار المعدة، والطحال والكبد، والغثيان، فضلًا عن أن تخلص الجسم من هذه المادة صعب للغاية.
المادة تستخدم في أغذية أخرى
وأوضحت أن هذه المادة يتم استخدامها في صناعات كالبويات والورق والصناعات الغذائية مطالبة بحظر استخدامها بالمواد الغذائية لما لها من أخطار جسيمة على الصحة العامة خاصة لو علمنا أنها تدخل في تبييض بعض المواد الغذائية، وبعض المشروبات، والعصائر إلى جانب بعض الأدوية ومعجونات الأسنان.
المادة تعطي عصير القصب مظهرًا جذابًا
من جانبها قالت الدكتورة زهرة صالح أحمد، أستاذ الصناعات الغذائية بالمركز القومي للبحوث إن مادة ثاني أكسيد التيتانيوم تستخدم في مصر لتبييض الحلاوة الطحينية، وفي بعض العصائر، وحديثًا تم اكتشاف استخدامها في عصير القصب وتلك ممارسة جديدة لهذه المادة، ويرجع استخدامها في عصير القصب إلى الرغبة في تغيير طبيعة ولون وخواص قصب السكر عند أكسدته حيث يظهر قصب السكر كما لو كان ظازجًا في حالة إضافة هذه المادة بدلًا من اللون الأسود أو الداكن الناتج عن الأكسدة بعد مرور دقائق لذلك يستغلوا هذه المادة ليبقى عصير القصب فاتح وجذاب لفترات طويلة.
وأكدت أحمد على ضرورة أن يكون استخدام هذه المادة في حالة سماح الحكومة بالتصريح الخاص بها تحت إشراف الجهات الرقابية، وفي الحدود المسموح بها وفق طبيعة المنتج نفسه.
في حين أشارت زكي، إلى أن الأطفال هم الأكثر تأثرًا بهذه المادة نتيجة الأثر التراكمي لهذه المادة على الجسم.
بينما أشادت زكي بدور الأجهزة الرقابية، بوزارة التموين وجهاز حماية المستهلك، لما قاما به من كشف لهذه المخالفات التي تؤثر على الصحة العامة للمواطنين، وتساءلت زكي عن أسباب عدم سماح الهيئة القومية لسلامة الغذاء باستخدام المادة في العصائر الطبيعية بينما تستخدم المادة في العصائر الصناعية مطالبة بحظرها بشكل كامل في المواد الغذائية عمومًا.
وأصدرت الهيئة القومية لسلامة الغذاء، بيانًا رسميًا بشأن الكشف عن استخدام مادة ثاني أكسيد التيتانيوم (E171) في بعض الأغذية والمشروبات، وخاصة عصير القصب.
وأكدت الهيئة في بيانها، أن مادة ثاني أكسيد التيتانيوم (E171) غير مسموح باستخدامها كمادة مضافة للعصائر الطبيعية في مصر، وفقًا لقرار مجلس إدارة الهيئة القومية لسلامة الغذاء رقم (4) لسنة 2020 وتعديلاته بشأن المواد المضافة المصرح باستخدامها في الغذاء ويمنع استخدامها في أي مادة غذائية غير مصرح بالاستخدام لها وفقا للمعايير الدولية.
وفيما يتعلق بشأن إضافة هذه المادة إلى عصير القصب، أكدت الهيئة أنه "لا توجد مؤشرات تدل على انتشار هذه الممارسة، كما أن الاستخدام التقليدي للمادة كان يقتصر على بعض التطبيقات المرتبطة بتحسين المظهر وإضفاء اللون الأبيض لبعض المنتجات الغذائية، دون أن يكون لها أي قيمة غذائية أو تأثير على الطعم"، وفق البيان.
رئيس جهاز حماية المستهلك: لم نتلق شكاوى حتى الآن
ومن جانبه قال إبراهيم السجيني، رئيس جهاز حماية المستهلك لـ آراب فاينانس إن الجهاز لم يتلق شكاوى من المواطنين حتى الآن حول تلك القضية، مؤكدَا أن الهيئة القومية لسلامة الغذاء هي المنوط بها التحقق من سلامة الأغذية في مصر حيث لديها الكوادر الفنية المؤهلة لتحليل المواد الغذائية.
وحاول آراب فاينانس، التواصل مع الدكتور طارق الهوبي، رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء، تليفونيًا وعبر الواتس آب للتساؤل حول أسباب عدم حظر مادة ثاني أكسيد التيتانيوم في استخدام الأغذية والمشروبات المصنعة في مصر رغم حظرها بالاتحاد الأوروبي لكنه لم يرد على الهاتف أو على التساؤلات المرسلة عبر واتس آب.
وأكدت وزارة التموين والتجارة الداخلية في بيان رسمي أن هذه الضبطيات تعكس يقظة الأجهزة الرقابية واستمرار جهود المتابعة الميدانية لرصد المخالفات والتصدي للممارسات التي من شأنها الإضرار بصحة المواطنين أو الإخلال بحقوق المستهلك، مشددة على أن أي تلاعب في مكونات الأغذية أو استخدام مواد غير مخصصة للأغراض المقررة يعد مخالفة تستوجب المساءلة القانونية.
وأطلقت مصر العام الماضي الخطة التنفيذية الوطنية لنظم الغذاء والتغذية 2025/ 2030، وحسب الدكتور خالد عبدالغفار نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة والسكان، فإن مصر حققت خلال السنوات الماضية إنجازات ملموسة في مجال تحول النظم الغذائية، وذلك من خلال دمج مفهوم نظم الغذاء في السياسات الوطنية، وتعزيز التنسيق المؤسسي بين الجهات الفاعلة، وكذلك دعم المجهودات الوطنية التي تُعزز الأنماط الغذائية الصحية والآمنة والمستدامة.
ويؤكد الدكتور شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية أن الوزارة تضطلع بصفتها أحد المحاور الرئيسية في ضمان النفاذ إلى الغذاء بدور جوهري في ضبط الأسواق، وتحقيق الاتزان بين البعد الاقتصادي للغذاء وحق المواطن في غذاء صحي وآمن.