آراب فاينانس: في خطوة تعكس حجم القلق من مستقبل التكنولوجيا، دعا عدد من أبرز قادة الذكاء الاصطناعي والخبراء حول العالم إلى تقليل وتيرة الضخ الاستثماري وتسريع أبحاث الأمان.
تأتي هذه الدعوات المتزايدة إثر تحذيرات تقنية مكثفة من احتمال إفلات الأنظمة الذكية من التحكم البشري وامتلاكها استقلالية اتخاذ القرار، مما يضع مستقبل القطاع أمام مفترق طرق حاسم بين التوسع المجرد أو التنظيم الآمن.
جاءت هذه المخاوف بعد سلسلة من التحذيرات التي تناولت المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي على البشرية، أعقبتها دعوات من شخصيات بارزة في القطاع، من بينهم الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" داريو أمودي، لإبطاء وتيرة التطور، وإتاحة مزيد من الوقت لمعالجة المخاطر المرتبطة بهذه التقنية.
وأثارت المبالغ الضخمة التي تُضخ في الذكاء الاصطناعي مخاوف ضغطت على أسهم التكنولوجيا، في ظل تساؤلات المستثمرين عما إذا كانت الأرباح قادرة على تبرير التكاليف المتصاعدة للبنية التحتية، وجعلت هذه المخاوف الأسهم المرتبطة بالتكنولوجيا والتي تتداول عند تقييمات مرتفعة أكثر عرضة للضغوط، إذ تؤدي أي مؤشرات على زيادة الإنفاق أو ضعف العوائد إلى موجات بيع.
احتمالات خروج الذكاء الاصطناعي عن التحكم البشري
من جانبها قالت الدكتورة سمية الشربيني الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة أُوبس لتحليل البيانات OpusAnalytics ai، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس، إن الحكومات في معظم دول العالم لم تصل بعد للدور الحقيقي الذي ينبغي عليهم القيام به لتقنين الذكاء الاصطناعي، وتأثيراته على الأفراد في المجتمع، وأرى أن السبب لذلك يرجع لعدم معرفة الحكومات بهذه التأثيرات، وما يؤكد ذلك هو تقارير بعض الشركات العالمية التي أكدت حدوث هجوم سيبراني من جانب نماذج الذكاء الاصطناعي دون علمهم وأنهم علموا بعد ذلك بستة أشهر كاملة، وهو شئ خطير يشير إلى احتمالية عدم السيطرة البشرية على نماذج الذكاء الاصطناعي.
وأضافت الشربيني، أن مهندسي الشركات العالمية العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي عندما يقوموا بإدخال البيانات وبناء النماذج التكنولوجية للذكاء الاصطناعي يكون ذلك بطريقة لا يعرفوا من خلالها كيفية استقبال الآلة للبيانات واستخدامها وتوظيفها خاصة أن الآلة تقوم حاليًا بتعليم نفسها وتقوم ببعض أدوار المبرمجين، وهو شئ فيه خطر على القرارات الذاتية التي يمكن أن تتخذها الآلة، وهذا ما يقلق الكثيرين حاليًا.
وأوضحت أنه إذا كان رؤساء كبرى الشركات مازالوا غير مدركين ولديهم غموض نحو الآلة ومستقبلها فما بالنا بالحكومات التي ينبغي عليها تقنين الأمر.
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لن يتوقف
من جانبه يرى الدكتور محمد عزام، الخبير في مجال تكنولوجيا المعلومات، أن العلم والتطور في مجال الذكاء الاصطناعي لن يتوقف وأن التكنولوجيا رغم مخاطرها فهي لها فوائد كثيرة، لافتًا إلى أنه لا يتوقع توقف كبرى الشركات العالمية عن ضخ المزيد من الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، وأنهم طالبوا خلال اجتماع عقد مؤخرًا بعدم استحداث جهة منظمة لهم، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي يتخذ منذ فترة كبيرة قرارات ذاتية دون الرجوع للعنصر البشري، مشددًا على أن الشركات العالمية لن تتراجع عن التكنولوجيا.
وأضاف عزام إن هناك ثورة كبيرة وسرعة يقوم بها الذكاء الاصطناعي، لافتًا إلى أن مصر يجب أن تكون جزء من هذا التطور التكنولوجي العالمي، بما يناسب البيئة المصرية وأن يكون هناك خطة لتمكين الشركات الناشئة وتسهيل عملها في مجالات الذكاء الاصطناعي مع ضرورة مواكبة مصر للتطور الحاصل عالميًا لأن الآلة تتطور بشكل سريع.
وحول التأثير على الوظائف أوضح أن البشر يعملون في الوظائف التي لا يمكن أن يقوم بها الذكاء الاصطناعي والآلة أصبحت تنافس البشر وتقوم بما لا يستطيع القيام به وهذه حقيقة، وهذا تحدي كبير في مجال الوظائف يجب أن نستعد له بتعلم الوظائف الجديدة التي تتيحها التكنولوجيا.
وطالبت الشربيني، بضرورة وجود بنك مصري للمعلومات يرصد تأثيرات الذكاء الاصطناعي في جميع المجالات كالزراعة والصناعة وغيرها، لافتة إلى أنه ينبغي أن يتحرك صانع القرار بسرعة نحو هذه التحديات.
وتخطط مصر لإنشاء أول مركز واسع النطاق للبيانات مخصص للذكاء الاصطناعي في البلاد، بقدرة مستهدفة تبلغ 200 ميجاواط، وكلفة تصل إلى مليار دولار، وباستخدام تقنيات شركة إنفيديا الأميركية.
ويأتي المشروع، الذي أعلنه وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رأفت هندي في ظل تنافس الولايات المتحدة، والصين، أبرز قوتين عالميتين في مجال الذكاء الاصطناعي، على تعزيز حضورهما في الشرق الأوسط، وأفريقيا، ومن المتوقع أن يبدأ المشروع بمنشأة قدرتها 20 ميجاواط، وكلفتها 200 مليون دولار، ضمن مرحلة أولى تمتد ثلاث سنوات، تتولى تنفيذها شراكة بين فودافون بزنس والسويدي إلكتريك وكاسافا تكنولوجيز، الشريك الرئيس لـ إنفيديا في أفريقيا.
وأكدت الشربيني أن خبراء عالميين في مجال التكنولوجيا مثل بيل جيتس طالبوا بضرورة وجود جهة عالمية مٌقننة ومستقلة بالشراكة مع من سيتأثروا بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأصحاب الشركات العالمية ليضعوا تقارير حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف وغيرها من الآثار التي يمكن أن تحدث، وقد طالب البعض أن تقوم إحدى هيئات الأمم المتحدة بدور في ذلك.
بينما قال حاتم الهادي، الخبير في مجال التكنولوجيا ونظم المعلومات، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن كل تحول يطرأ على حياة الإنسان يصاحبه قدر من التخوف والترقب. فعندما تظهر أداة قادرة على تغيير الطريقة التي اعتاد الناس أن يعملوا ويتعلموا ويفكروا بها، لا يكون السؤال فقط عمّا يمكن أن تتيحه، وإنما أيضًا عمّا يمكن أن تهدده. وقد شهد تاريخ الاختراعات مواقف مشابهة؛ فكثير من التقنيات التي أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من حياتنا أثارت عند ظهورها مخاوف وتساؤلات، قبل أن تتحول إلى أدوات غيّرت جوانب كثيرة من الحياة. والذكاء الاصطناعي يضع المجتمعات أمام تحول مماثل، ولكن على نطاق أوسع. ومع اتساع قدراته وحجم الاستثمارات الموجهة إليه، يصبح من المهم أن نتجاوز السؤال عن سرعة التطور أو حجم الإنفاق إلى أسئلة أعمق: ماذا نريد من هذه التقنية؟ وكيف نستخدم قدراتها؟ وما الذي يمكن أن تتيحه للإنسان والمجتمع؟.
استثمارات عالمية ضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي
وأضاف الهادي أن هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة مع ضخامة الاستثمار في المجال. ففي عام 2025 بلغ الاستثمار المؤسسي العالمي في الذكاء الاصطناعي نحو 581.7 مليار دولار، بزيادة تقارب 130% عن العام السابق، بينما استخدمت 88% من المؤسسات التي شملها مؤشر ستانفورد Stanford الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل. وتوضح هذه الأرقام أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية واعدة، بل أصبح جزءًا من التحول الاقتصادي والمعرفي الذي تعيشه المجتمعات، ولذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: هل ننفق أكثر أم أقل؟ بل: ماذا نريد أن نحقق بهذا الاستثمار، وما القدرات التي نريد تطويرها، وكيف يمكن أن يتحول هذا التطور إلى قيمة حقيقية للإنسان؟.
وتابع: من هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي باعتباره مشكلة في حد ذاته. فكلما ازدادت قدرة التقنية على معالجة المعلومات وتحليل المشكلات وتنفيذ المهام، زادت قدرتها على فتح مجالات جديدة للبحث والعمل والإنتاج. وقد بدأنا نشهد انتقالًا من أنظمة تقدم إجابات أو تنفذ أوامر محددة إلى أنظمة تستطيع تقسيم المهمة إلى خطوات واختيار الأدوات المناسبة وتنفيذ عدد من الإجراءات للوصول إلى نتيجة. ولا يعني ذلك أنها أصبحت مستقلة تمامًا أو خالية من الأخطاء، لكنه يشير إلى اتجاه مهم: الذكاء الاصطناعي يتجه في بعض تطبيقاته إلى القيام بجزء أكبر من العمل نيابة عنا، وهنا تبدأ الأسئلة التي تتجاوز الجانب التقني. فكلما ازدادت قدرة النظام على اتخاذ خطوات وتنفيذها، أصبح من الضروري أن نعرف من يحدد الغاية التي يعمل من أجلها، وما الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها، ومن يتحمل مسؤولية نتائجه. فالقدرة على تنفيذ فعل معين لا تعني بالضرورة أن هذا الفعل ينبغي أن يتم، ومن هنا تأتي أهمية أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، لا باعتبارها عائقًا أمام التطور، وإنما باعتبارها محاولة لتحديد الاتجاه والحدود التي تحمي الإنسان عندما تصبح التقنية أكثر قدرة.
وأضاف الهادي أن الحديث عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي يعيدنا إلى أخلاقيات الإنسان نفسه. فالذكاء الاصطناعي لا يمتلك منظومة أخلاقية مستقلة عن البشر؛ إذ يتأثر بالبيانات التي يتعلم منها، وبطريقة تصميمه، والأهداف التي وُضع من أجلها، والقواعد التي تحكم استخدامه. ولذلك يمكن النظر إليه، في جانب مهم منه، باعتباره مرآة لسلوكنا وقيمنا. فإذا كانت البيانات منحازة، فقد يعيد إنتاج الانحياز، وإذا استخدمت التقنية للإقصاء أو التضليل أو الاستغلال، فقد تجعل هذه الممارسات أسرع وأوسع أثرًا، بينما يمكن أن تسهم، إذا وُجهت نحو المعرفة وحل المشكلات وتحسين الخدمات، في توسيع أثر هذه الجهود، لكن التركيز على المخاطر وحدها قد يجعلنا نغفل جانبًا آخر: ماذا يمكن أن يفعل الإنسان بالوقت والقدرات التي يمكن أن يحررها الذكاء الاصطناعي؟ فالقيمة الحقيقية للتقنية لا تكمن فقط في قدرتها على القيام بمهام كان الإنسان يقوم بها، وإنما أيضًا في تخفيف الوقت والجهد الذي يذهب إلى الأعمال المتكررة والروتينية، وإذا أحسنا استخدام هذه الإمكانية، فقد يتحول الوقت الموفر إلى فرصة للتعلم والبحث والاكتشاف والإبداع، وبناء العلاقات الإنسانية، والمشاركة في المجتمع، وفهم المشكلات المعقدة والبحث عن حلول له.
ووفقًا لتقرير صادر حديثًا عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فقد جاءت مصر فى المرتبة الأولى إفريقيًا فى مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعى لعام 2025 الصادر عن Oxford Insights، حيث تقدمت 14 مركزًا في المؤشر لتشغل المركز 51 عالميًا من بين 195 دولة، محققة 57.5 نقطة، مقارنة بالمركز 65 من بين 188 دولة محققة 55.6 نقطة فى عام 2024. كما جاءت مصر فى المرتبة الثالثة عربيًا، مقابل المركز السابع عربيًا فى العام الماضى.
الجدير بالذكر أنه وفقًا لذات التقرير فإن مصر كانت قد حققت تقدمًا قدره 46 مركزًا فى مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعى خلال الفترة من 2019 إلى 2024، حيث ارتفعت من المركز 111 عالميًا فى عام 2019 إلى المركز 65 عالميًا فى عام 2024.