آراب فاينانس: اعتبر اقتصاديون، وخبراء في صناعة الذهب، أن تدشين بنك الذهب في مصر بالتعاون مع بنك التصدير والاستيراد الأفريقي "أفريكسيم بنك" يمثل خطوة نحو تشكيل منظومة متكاملة ستشمل مصفاة ذهب عالمية، وهى الأولى على مستوى المنطقة.
ووقع البنك المركزي المصري وبنك التصدير والاستيراد الإفريقي، مذكرة تفاهم لإنشاء بنك متخصص في الذهب على مستوى القارة الإفريقية.
من جانبه أكد أسامة زرعي، عضو مجلس إدارة شركة جولد إيرا، والخبير في صناعة وتداول الذهب، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس أن هذه الخطوة ستجعل الشعوب الأفريقية تستفيد من الذهب، مشيرًا إلى أن المشروع لا يهدف لإنشاء مؤسسة مصرفية تقليدية، بل منظومة متكاملة تشمل مصفاة ذهب عالمية المستوى، وهى الأولى في المنطقة التي تعمل بمواصفات سوق لندن للذهب إلى جانب منصة تداول إلكترونية تربط منتجي الذهب الأفريقي بالأسواق العالمية، فضلا عن مركز تسعير الذهب الأفريقي والذي سيكون هدفه تحديد الأسعار بعيداً عن المراكز التقليدية مع إنشاء نظام تمويل بالذهب يستهدف تحويل المعدن الأصفر إلى سيولة مالية.
المكاسب المصرية من بنك الذهب
وحول المكاسب المتوقعة لمصر ولأفريقيا أكد أن أبرز هذه المكاسب لمصر هى جذب استثمارات مباشرة بقيمة تتراوح من 3 إلى 4 مليارات دولار وذلك خلال 5 سنوات إلى جانب توفير نحو 8 آلاف وظيفة مع زيادة الصادرات بقيمة تتراوح من 2 إلى 3 مليارات دولار سنويًا مع زيادة حجم المعروض من الذهب.
كما ستسفيد دول القارة الأفريقية أيضًا من خلال زيادة القيمة المضافة بنسبة تتجاوز 60%، مع خلق نحو 50 ألف فرصة عمل مباشرة في القارة الأفريقية، فضلًا عن توفير من 2 إلى 3 مليار دولار سنويًا كإيرادات ضريبية إضافية للحكومات.
وأشاد زرعي بتوقيع الاتفاق بين مصر وبنك التصدير والاستيراد الأفريقي، حيث سيلعب البنك دورًا في تسوية الذهب الأفريقي بما يخدم شعوب القارة.
وينظر الدكتور أحمد شوقي أستاذ التمويل والاستثمار للبنك من زاوية أخرى حيث يرى أن أهم الفوائد على مستوى الاقتصاد الكلي تتمثل في تنويع مكونات الاحتياطي النقدي وتقليل الاعتماد على الدولار، وتعزيز الثقة في الاقتصاد المصري، حيث ينظر لارتفاع الذهب ضمن الاحتياطي باعتباره مؤشر أمان، وتحسين قدرة الدولة على مواجهة الصدمات الخارجية، فضلًا عن دعم الصناعات المرتبطة بالذهب مثل التكرير والمشغولات والتداول.
وأشار شوقي إلى أن دولًا مثل الصين وتركيا وروسيا رفعت حصة الذهب في احتياطياتها إلى ما بين 20% و30% خلال السنوات الأخيرة، مقارنة بنسب أقل من ذلك بكثير في السابق.
وفيما يتعلق باستفادة مصر من مناجم الذهب في أفريقيا أكد شوقي على أن أفريقيا تعد أحد أكبر مخازن الذهب غير المستغل عالميًا فالقارة الأفريقية تنتج أكثر من 1,000 طن ذهب سنويا (نحو 25% من الإنتاج العالمي)، و دول مثل غانا، جنوب أفريقيا، السودان، ومالي تمتلك احتياطيات ضخمة غير مستغلة بالكامل، ويمكن لمصر الاستفادة من ذلك من خلال الدخول في شراكات استثمارية مباشرة في التعدين فضلًا عن إمكانية نقل الذهب الخام إلى مصر للتكرير والتسعير والتخزين، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجارة الذهب الأفريقي بدل تصديره خامًا إلى أوروبا أو آسيا.
الذهب يعزز مصداقية السياسة النقدية
وبالنسبة للعلاقة بين احتياطي الذهب وسعر الصرف يشير شوقي إلى أن العلاقة بين زيادة احتياطي الذهب وسعر الصرف غير مباشرة ولكنها مؤثرة وذلك لأن الذهب لا يستخدم مباشرة في تمويل الواردات، لكنه يعزز مصداقية السياسة النقدية، ويرفع ثقة المستثمرين، ويقلل الضغوط على العملة المحلية على المدى المتوسط حيث تشير تجارب دولية إلى أن الدول التي زادت احتياطيات الذهب خلال الأزمات شهدت انخفاضا في تقلبات سعر الصرف بنسبة تراوحت بين 15% و25% مقارنة بدول اعتمدت كليا على العملات الأجنبية.
ويرى زرعي أن أبرز أسباب اختيار مصر لإنشاء بنك الذهب بها يرجع لتميز موقعها الجغرافي حيث تعد بوابة أفريقيا إلى أوروبا والشرق الأوسط.
كما تتمتع مصر حسب زرعي بالاستقرار المصرفي عبر نظام مالي متطور وعلاقات دولية قوية، إلى جانب خبرة مصر في صناعة الذهب وامتلاكها تاريخ طويل في صناعة وتجارة الذهب، فضلًا عن الثقة الأفريقية في مصر حيث تعد مصر من أكبر المساهمين في رأس المال أفريكسيم بنك (بنك التصدير الأفريقي).
ويتفق الدكتور عمرو جبر الخبير الاقتصادي والمصرفي مع تلك الرؤية حيث يؤكد على أن إنشاء بنك للذهب جاء كخطوة لافتة من جانب البنك المركزي المصري في إطار سعي الدولة المصرية لتنويع أدواتها النقدية وتعزيز قدرتها على إدارة الثروات الطبيعية، حيث تحمل هذه الخطوة أبعادًا اقتصادية واستراتيجية عميقة، ليس فقط على مستوى السياسة النقدية، بل أيضًا في إدارة الموارد وتعظيم القيمة المضافة.
ووفقًا لـ مجلس الذهب العالمي، تنتج أفريقيا 853.6 طن ذهب سنويًا بما يمثل نحو 25% من الإنتاج العالمي، وتقارب القيمة السوقية للإنتاج الإفريقي 55 مليار دولار سنويًا ،مع ذلك تفقد القارة من من 8 إلى 12 مليار دولار سنويًا بسبب تصدير الذهب كمواد خام.
أبرز التحديات هو تباين التشريعات
ويواجه المشروع بعض التحديات وفق زرعي أبرزها التشريعات المتباينة بين الدول الأفريقية وارتفاع تكاليف البنية التحتية التي تقدر بنحو 400 مليون دولار، إلى جانب نقص الكوادر المتخصصة في التداول المؤسسي للذهب، مشددًا في ختام حديثه على استعداده لتقديم الدعم اللازم لهذا المشروع.
ويوضح جبر أن بنك الذهب هو كيان مالي متخصص في إدارة الذهب كأصل نقدي واستثماري، على غرار البنوك التي تتعامل في العملات الأجنبية حيث يهدف إلى تنظيم تداول الذهب، وتخزينه، وتوظيفه كاحتياطي استراتيجي، بالإضافة إلى استخدامه في أدوات مالية واستثمارية تخدم الاقتصاد الوطني إذ لا يقتصر مفهوم بنك الذهب على كونه مخزنًا للمعدن النفيس، بل يمتد ليكون منصة متكاملة لإدارة الذهب إنتاجًا وتداولًا وتسعيرًا واستثمارًا.
وحول إمكانية إشراك المواطنين واستفادتهم من هذا البنك يشير جبر إلى أنه ورغم الطابع السيادي للمشروع، إلا أن الدولة تخطط لإشراك المواطنين عبر شهادات ادخار وحسابات وصناديق استثمار مدعومة بالذهب، في محاولة لكسر هيمنة السوق السوداء وتحويل المدخرات إلى أدوات منتجة داخل الاقتصاد الرسمي.
بنك الذهب الأفريقي سيكسر احتكار البورصات خارج القارة
من جانبه يرى أمير رزق الخبير في مجال الذهب والعضو السابق لشعبة الذهب أن تدشين بنك الذهب المصري سيعمل على كسر احتكار البورصات خارج القارة لتسعير الذهب الأفريقي مع تقليل نزيف العملة الصعبة.
وشدد رزق على ضرورة التوعية ببنك الذهب للمتعاملين والمستخدمين للتعرف على طبيعته مشددًا على ضرورة التعامل مع الذهب عبر القنوات الرسمية التي يوفرها بنك الذهب، مثل حسابات الذهب وخدمات التخزين الآمن، بما يضمن الاستثمار الآمن، مع تجنب التداول غير المنظم والنظر إلى الذهب كأداة استثمار طويلة الأجل وملاذ آمن.
ويرى شوقي أن الذهب يمثل أحد أهم الأصول الاستراتيجية في النظام المالي العالمي، خاصة في ظل تصاعد الأزمات الجيوسياسية وارتفاع مستويات عدم اليقين، ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التفكير في إنشاء بنك أو كيان وطني لإدارة الذهب في مصر كخطوة استراتيجية داعمة للاستقرار الاقتصادي والنقدي.
وأضاف أن وجود بنك متخصص في إدارة وتداول الذهب لا يعني مجرد التخزين، بل إدارة نشطة للأصل، وهو ما يحقق عدة مكاسب اهمها تحويل الذهب من أصل جامد إلى أصل مالي نشط يمكن توظيفه في دعم الاحتياطي ، وإصدار أدوات مالية مدعومة بالذهب، وتعزيز التمويل طويل الأجل.
ويختتم شوقي حديثه قائلًا: إن إنشاء بنك للذهب في مصر ضرورة استراتيجية في عالم يتجه لإعادة تقييم دور الذهب كملاذ آمن، لافتًا إلى أن الذهب لم يعد مجرد معدن نفيس، بل أصبح أداة استقرار نقدي وسيادي يعزز قوة الاقتصاد، ويدعم العملة، ويرسخ الدور الإقليمي لمصر في أفريقيا.
ويستحوذ منجم السكري على ما يزيد على 70% من إنتاج مصر من الذهب، مع خطط لرفع نسبة مساهمة المنجم بالناتج القومي للدولة خلال السنوات الخمس القادمة تزامنًا مع مساعي الحكومة المصرية وشركة "أنجلو جولد أشانتي" لتنمية منجم السكري.
وبحسب بيانات شركة "أنجلو جولد أشانتي" المالكة لحقوق امتياز منجم السكري ، حصلت مصر على 295 مليون دولار من منجم السكري خلال العام الماضي حيث يبلغ حجم مخزون منجم السكري نحو 5 ملايين أوقية.
وتجاوز الذهب 35% من احتياطي مصر الأجنبي في ديسمبر 2025، وفق بيانات البنك المركزي المصري.