}

مصانع الحديد المصرية تشتبك مع قيود بيئية جديدة من الاتحاد الأوروبي

أخر تحديث 2026/10/25 03:37:00 م
مصانع الحديد المصرية تشتبك مع قيود بيئية جديدة من الاتحاد الأوروبي

آراب فاينانس: لم يعد التحول نحو الحديد والصلب الأخضر مجرد رفاهية بيئية أو خيار استراتيجي مؤجل لقطاع الصناعات الثقيلة في مصر، بل أصبح خيارًا حاسمًا يُرهن استدامة إحدى أهم القلاع التصديرية في البلاد بالأسواق العالمية بشروط بيئية جديدة.  فبينما تتسارع الخطى للتوافق مع آلية الاتحاد الأوروبي لتعديل حدود الكربون (CBAM) Carbon Border Adjustment Mechanism يواجه القطاع تحديًا مزدوجًا يُعقد المشهد؛ يتجسد في التوجه الأوروبي نحو فرض قيود صارمة على تصدير "الخردة" إلى الدول غير الأعضاء نتيجة الاشتراطات البيئية، مما يهدد مدخلات الإنتاج الرئيسية للتكنولوجيا الأقل انبعاثًا.

إن التوجه الأوروبي لا يقتصر اليوم على فرض رسوم كربونية على المنتجات النهائية الواردة إليها، بل يمتد ليشمل حظر أو تقييد تدفق المواد الخام المستدامة كالخردة نحو الأسواق التي لا تطبق معايير بيئية وصارمة لإعادة التدوير، وفي ظل اعتماد جزء كبير من مصانع الحديد المصرية على أفران القوس الكهربائي التي تتغذى على الخردة لخفض بصمتها الكربونية، أصبحت الصناعة الوطنية بين محورين ضاغطين هما الامتثال لخفّض الانبعاثات التنافسية، وخطر نقص المادة الخام البيئية الأساسية لتحقيق هذا الامتثال للشروط الجديدة.

وكانت المفوضية الأوروبية، قد أدرجت مصر فى مسودة قائمة الدول غير الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية الممنوع تصدير مخلفات المعادن إليها، لعدم ثبوت استيفاء متطلبات الإدارة السليمة بيئياً لهذه المخلفات، ولا يزال الإجراء فى مرحلة المسودة، مع استمرار تلقى الملاحظات حتى 16 أكتوبر، على أن تُعتمد القائمة النهائية بحلول 21 نوفمبر 2026، بينما يبدأ تطبيق القواعد الجديدة فى 21 مايو 2027.

وبموجب هذه القواعد الصارمة للتوافق البيئي، سيتم حظر تصدير خردة المعادن الحديدية وغير الحديدية من دول الاتحاد الأوروبي إلى الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (ومن بينها مصر والمغرب والسعودية)، ما لم تثبت المصانع والدول المستوردة إدارتها لهذه المخلفات بطريقة سليمة بيئيًا.

شروط وضوابط بيئية جديدة لاستيراد الخردة من أوروبا

من جانبه قال المهندس خالد نجيب، رئيس مجلس إدارة شركة هيدروجين مصر، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن من حق أوروبا أن تشترط ضوابط بيئية على الخردة، لكن الإشكالية في طريقة التطبيق، فحين تُطبّق الاشتراطات دون مسار واضح ومهلة كافية للتوفيق، تتحول من أداة لحماية المناخ إلى أداة لحماية الصناعة المحلية وتأمين المواد الخام لها، وتعد عملية إعادة التدوير عملية عابرة للحدود وتخدم المناخ العالمي، وتقييدها يضر بالهدف المعلن نفسه، وبالتالي فنحن نفضّل شراكة فنية بين الجانبين لا مجرد استبعاد.

وحول التناقض بين فرض ضريبة الكربون الأوروبيةCBAM على صادرات الصلب المصري من جهة، وحظر توريد الخردة التي تمثل ركيزة لخفض الانبعاثات الأساسية للصلب المصري من جهة أخرى أضاف نجيب أن هناك تناقض واضح في المنطق في تلك القضية بالتحديد متسائلًا كيف تُفرض ضريبة كربونية على الصلب المصري، وفي الوقت نفسه يُقيَّد وصول مصانعنا إلى الخردة، وهي الركيزة الأساسية لخفض الانبعاثات في الصلب المنتج بأفران القوس الكهربائي، لأنه إذا كان الهدف خفض الانبعاثات فعلًا، فيجب أن تدعم السياسات المسار الأقل كربونًا لا أن تعوقه، ولذلك تم وضع قضية الصلب الأخضر وتأثير CBAM على الصناعات المصرية ضمن أولويات النقاش خلال قمة قمة صناعة الهيدروجين HIS 2026، التي سيجتمع فيها صنّاع القرار والصناعة على طاولة واحدة 22 نوفمبر المقبل.

وأوضح نجيب أن أي نقص في الخردة المستوردة سيزيد الضغط على الموارد المحلية، وفيه خطر من ناحية الإفراط في جمع الخردة بطرق غير منظمة وغير مستدامة، منوهًا بان الحل هو بناء منظومة وطنية منظمة لجمع الخردة وفرزها ومعالجتها، فتتحول الأزمة إلى فرصة لتعميق الاقتصاد الدائري، وهذه من الملفات التي نرى أنها تحتاج إلى حوار بين الحكومة والمصنّعين والمستثمرين.

وأكد نجيب أن مصر تملك مقومات قوية في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهذا أساس تنافسيتها في الهيدروجين الأخضر، لكن تحويل هذه المقومات إلى هيدروجين بتكلفة تنافسية يحتاج إلى بنية تحتية للشبكة والتخزين والنقل، وإلى تمويل وسياسات داعمة، موضحًا أن الجاهزية قائمة جزئيًا وتتحسن بسرعة، لكنها لن تسد فجوة الخردة فورًا، لذلك هناك حاجة للتوجه من الخطط إلى المشروعات الفعلية.

استخدام الهيدروجين الأخضر كبديل استراتيجي

وحول أهمية استخدام الهيدروجين الأخضر كبديل استراتيجي في إنتاج حديد الاختزال المباشر وكبديل مستقبلي للانبعاثات المنخفضة، أكد نجيب أنه يرى أن هذا خيار واقعي واقتصادي في ذات الوقت لمصانع الصلب المصرية قبل نهاية العقد الحالي لسد فجوة الخردة، وذلك على المدى المتوسط وليس بديلًا فوريًا وما يمكن تحقيقه قبل نهاية العقد هو مشروعات رائدة ومراحل انتقالية، مثل الجمع بين الغاز الطبيعي والهيدروجين تدريجيًا بينما التوسع الكامل مرهون بتكلفة الهيدروجين وبوجود مشترين ملتزمين، ولذلك من الضروري أن يجتمع المنتجون والمشترون والممولون معًا لبحث نماذج التعاقد والتمويل.

ومن جانبها قالت الدكتورة داليا سمير الخبيرة في مجال الطاقة إن الخامات البديلة للخردة تستهلك طاقة أكثر بكثير، لذلك سيرتفع الطلب على الكهرباء والغاز خلال الفترة المقبلة حيث إن الشبكة المتجددة تنمو بسرعة، لكن تغطية هذا الارتفاع دون زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري تتطلب تسريع مشروعات الطاقة المتجددة والتخزين وتطوير الشبكة، وتشغيل المصانع في أوقات وفرة الإنتاج المتجدد.

وأضافت سمير لـ آراب فاينانس أن تحديث الأفران والمصانع للتعامل مع خامات بديلة أو خردة محلية منخفضة الجودة يتطلب استثمارات في الفرز والمعالجة المسبقة، وأنظمة التحكم في الانبعاثات، ومعدات القياس، وتحسين كفاءة الطاقة إذ إن خفض هذه التكلفة على المدى الطويل يمر بتوطين الصناعة، وفي مقدمتها تصنيع الإلكتروليزرز محليًا في مصر، حيث يجب أن يلتقي المستثمرون مع جهات التمويل وأصحاب المصانع لبحث الفرص المتاحة.

أولويات التوافق البيئي

وفيما يتعلق بالأولويات الأكثر إلحاحًا خلال الفترة المقبلة للتوافق البيئي مع متطلبات وشروط الاتحاد الأوروبي أكدت سمير أن الأولوية يجب أن تكون لأنظمة الرصد المستمر والقياس المعتمد، وتجهيز منشآت المعالجة بوحدات التحكم في الانبعاثات، وإنشاء سجلات رقمية قابلة للتدقيق، وبناء قدرات الكوادر الفنية على تشغيل هذه الأنظمة، لأن الوقت المتبقي قصير، ولهذا ينبغي بناء الشراكات التقنية.

وأوضحت أنه إذا اضطرت المصانع المصرية لاستخدام خامات بديلة، فالمسارات المتاحة ستشمل الحديد المختزل المباشر المعتمد على الغاز كمرحلة انتقالية، مع رفع كفاءة الطاقة داخل الأفران، واستعادة الحرارة المفقودة، وزيادة حصة الكهرباء المتجددة، وصولًا إلى الحديد المختزل المباشر عند توفر الهيدروجين بتكلفة مناسبة، وهناك أيضاً تقنيات حديثة قريبة التطبيق تعتمد على الغاز مثل شرائح تحسين الأداء التي تُطرح لتقليل استهلاك الوقود والانبعاثات وتحسين أداء المحركات.

وفي ختام حديثه يقترح نجيب اتخاذ خطوات متوازية لتوفيق الأوضاع  للمصانع المصرية قبل شهر مايو 2027، وهو الموعد النهائي الذي حدده الاتحاد الأوروبي لبدء التطبيق الكامل للقواعد المعدلة لشحن النفايات والمخلفات، وذلك من خلال تشكيل فريق عمل مشترك بين وزارتي البيئة والصناعة والقطاع الخاص، وتحديد الفجوات الفنية بالمقارنة مع المتطلبات الأوروبية، وتحديث المنشآت الأعلى أولوية أولاً، ثم إنشاء نظام قياس وإبلاغ موثوق، وفتح حوار فني مباشر مع المفوضية الأوروبية، موضحًا أن تنويع مصادر الخردة يعد ضرورة استراتيجية إذ يمكن بناء اتفاقيات توريد طويلة الأجل مع أسواق من خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، بشرط أن تلتزم بمعايير الجودة والتتبع حتى لا نضر بمؤشرات الاستدامة الوطنية، وفي المقابل، على الصناعة المصرية رفع نسبة الخردة المحلية المعالجة مع ضرورة إنشاء مساحات لاجتماع وتلاقي الشركاء الدوليين مع الصناعة المصرية لبحث هذه التحالفات.

بينما ترى سمير، أنه يجب تطبيق نظام للتتبع البيئي حيث يقوم النظام المُقترح على ترميز الخردة من نقطة الجمع إلى المصنع، وتسجيل مصدرها وطريقة نقلها ومعالجتها، وربط ذلك بمنصة رقمية يمكن التحقق منها من جهة مستقلة، وهذا أيضًا يقوّي ملف مصر أمام المفوضية الأوروبية لذلك لابد من وضع تصور مشترك لهذا النظام.

ومن جهتها قالت الدكتورة مروة فرغلي المستشارة الاقتصادية للاتحاد من أجل المتوسط وهو منظمة حكومية دولية تجمع بين دول الاتحاد الأوروبي و16 دولة من جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط منها مصر إن الاتحاد يقوم بدور حاليًا في التعريف بالشروط الأوروبية البيئية الجديدة من خلال عقد اجتماعات بين المسئولين بالمفوضية الأوروبية وأصحاب المصانع ذات الصلة بالتعديلات الجديدة حتى تكون الصادرات متوافقة مع شروط الاتحاد الأوربي. 

وأضافت فرغلي، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس أن الاتحاد سيعقد عدد من الورش التعريفية حول تعديل اتفاقية قواعد المنشأ الأورومتوسطية خاصة بعد التعديل الذي دخل على الاتفاقية مع وجود مسئولين من المفوضية الأوروبية لشرح التعديلات التي أٌدخلت على هذه الاتفاقية، وفيما يتعلق باتفاقية سيبام الأوروبية التي تضع معايير بيئية لدخول المنتجات للاتحاد الأوروبي أكدت أن الاتحاد قام بتنظيم ورش عمل لدعم وتدريب الشركات على كيفية التوافق البيئي بما يساهم في تصدير منتجات هذه الشركات للاتحاد الأوروبي. 

واستوردت مصر نحو 2.12 مليون طن من خردة الصلب من الاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 59.7% على أساس سنوي، مقابل نحو 1.83 مليون طن خلال 2025، بحسب بيانات الاتحاد العربي للحديد والصلب.

تحركات وزارية وجهود حكومية لمواجهة الأزمة

ووفق بيان رسمي للجنة الصناعة بمجلس النواب برئاسة المهندس أحمد بهاء شلبي، عقدت اللجنة اجتماعًا موسّعًا لمراجعة الإجراءات الحكومية إزاء مشروع لائحة المفوضية الأوروبية بشأن قائمة الدول المسموح بتصدير المخلفات غير الخطرة إليها حيث أكد ممثلو الحكومة أنه جرى تشكيل لجنة مختصة لدراسة المتطلبات الأوروبية فور تلقي مشروع اللائحة، تتولى من خلالها وزارة التنمية المحلية والبيئة تنسيق البيانات الواردة من الجهات المعنية ومراجعتها وتقديم الملف.

واستعرضت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية القرار الوزاري رقم 501 لسنة 2026، المنشور في الوقائع المصرية، والذي أعاد تنظيم شروط استيراد خردة المعادن؛ إذ يقصر القرار الاستيراد على المصانع المرخّص لها باستخدام الخردة كمستلزم إنتاج ومصانع إعادة التدوير المرخّصة، ويشترط تصريحًا سنويًا مسبقًا من جهاز تنظيم إدارة المخلفات، إلى جانب شهادات فحص تثبت خلوّ الشحنات من الملوثات الخطرة واجتيازها اختبارات الإشعاع والمعادن الثقيلة، وهو ما يستجيب لجانب من المتطلبات الأوروبية المتعلقة بضوابط جودة الخردة وفحصها.

وأوضحت الوزارة أن واردات مصر من خردة المعادن من دول الاتحاد الأوروبي بلغت نحو 1.9 مليون طن عام 2025، بما يمثل نحو 40% من إجمالي الواردات.

من جانبها، أشارت وزارة الصناعة إلى أن حجم السوق المحلية يقارب 7 ملايين طن، تمثل الواردات الأوروبية نحو 28% منها، متوقعةً نمو الطلب في ضوء دعم الدولة للصناعة وتشغيل الرخص الصناعية الممنوحة، وموضحةً أنه لا توجد حتى الآن دراسة لحجم التداعيات على السوق المحلية في حال الاستعاضة عن السوق الأوروبية بأسواق أخرى؛ إذ يُتوقع أن تؤثر تكلفة الشحن واختلاف آليات العرض والطلب على سعر الطن، مع تباين التقديرات بشأن حجم الزيادة.

وأيّد اتحاد الصناعات المصرية هذا الطرح، مؤكداً أن رفض الملف سيرفع تكلفة الإنتاج المحلي، ويُضعف تنافسية المنتجات المصرية في الأسواق الخارجية أمام الدول التي ستظل قادرة على الاستيراد من الاتحاد الأوروبي. كما أكدت وزارة الخارجية مواصلة الجهود الدبلوماسية بالتنسيق مع جميع الجهات المعنية من خلال ممثليها.

أخبار مشابهة