}

محمد علاء الأمين العام لمؤسسة رجال الأعمال المصريين الصينيين: نستهدف توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا

أخر تحديث 2026/09/07 11:53:00 ص
محمد علاء الأمين العام لمؤسسة رجال الأعمال المصريين الصينيين: نستهدف توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا

آراب فاينانس: قال محمد علاء، الأمين العام لـ مؤسسة رجال الأعمال المصريين الصينيين، إن هناك تحول واضح في طبيعة اهتمام المستثمر الصيني بمصر، حيث لم نعد نتحدث فقط عن اهتمامهم بالمقاولات أو البنية تحتية، ولكن الاهتمام موجه حاليًا نحو استثمارات صناعية طويلة الأجل مثل صناعة السيارات ومكوناتها، خاصة السيارات الكهربائية والبطاريات، والطاقة الجديدة والمتجددة، والمنسوجات والملابس الجاهزة، والبتروكيماويات، والصناعات الدوائية، ومواد البناء، والصناعات الهندسية، والخدمات اللوجستية، بالإضافة إلى قطاعات التكنولوجيا ومراكز البيانات.

واعتبر علاء في مقابلة حصرية مع "آراب فاينانس" أن مبادرة الحزام والطريق هى مبادرة أكبر من كونها شبكة طرق وموانئ ومشروعات بنية تحتية، بالنسبة لمصر فهي فرصة لتعزيز دورها التاريخي كحلقة وصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، لافتًا إلى أن قناة السويس، والموانئ المصرية، والمنطقة الاقتصادية، والبنية التحتية التي تم تطويرها خلال السنوات الماضية، إلى جانب اتفاقيات مصر التجارية، كلها تمنحنا فرصة لأن نكون مركزًا للإنتاج والتجارة والخدمات اللوجستية داخل هذه المنظومة، وإلى نص الحوار:

بصفتكم أمينًا عامًا لمؤسسة رجال الأعمال المصريين الصينين، كيف تقيّمون حجم التبادل التجاري بين مصر والصين حاليًا، وما هي المستهدفات الاستثمارية المرتقبة للسنوات القادمة؟

     العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين تمر بمرحلة شديدة الأهمية فحجم التبادل التجاري وصل إلى نحو 20.78 مليار دولار خلال 2025، مقابل 17.37 مليار دولار في 2024، بمعدل نمو يقترب من 20%، وهذه أرقام تعكس قوة العلاقة، لكنها في الوقت نفسه تضع أمامنا مسؤولية مهمة تتعلق بجودة وهيكل هذه العلاقة الاقتصادية، وليس فقط بحجمها، فنحن لدينا فجوة تجارية واضحة، فالصادرات المصرية إلى الصين بلغت نحو 819 مليون دولار في 2025، بينما بلغت الواردات قرابة 19.9 مليار دولار، وبالتالي فإن نجاح المرحلة المقبلة يجب ألا يُقاس فقط بالوصول بالتبادل التجاري إلى رقم أكبر، وإنما بقدرتنا على زيادة الصادرات المصرية، وجذب استثمارات صينية إنتاجية، وتعميق المكون المحلي، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص عمل، وتحويل مصر إلى قاعدة للتصنيع والتصدير، وبالتالي فنحن أمام فرصة للانتقال من مفهوم الصين تصدّر إلى مصر إلى الصين تُصنع مع مصر. والمؤشر المهم هنا الذي يجب أن نقيس به السنوات المقبلة هو كم منتجًا نستطيع أن نصنعه معًا في مصر ونصدره إلى العالم.

شهدت العلاقات المصرية الصينية تدفقًا ملحوظًا للاستثمارات في الفترة الأخيرة، ما رؤيتكم لواقع ومستقبل هذا التعاون؟

أعتقد أننا أمام مرحلة جديدة في العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية، فعلى مدار سبعين عامًا انتقلت العلاقة من الصداقة السياسية والتبادل التجاري إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، واليوم الخطوة التالية يجب أن تكون الشراكة الصناعية والتكنولوجية، إذ تعكس زيارة الرئيس شي جين بينج إلى مصر، ولقاؤه بالرئيس عبد الفتاح السيسي، حجم الزخم السياسي الذي وصلت إليه العلاقة، والتحدي الاقتصادي الآن هو تحويل هذا الزخم إلى مصانع وتكنولوجيا وصادرات وفرص عمل وقيمة مضافة داخل الاقتصاد المصري، ومصر بالنسبة للمستثمر الصيني لا يجب أن تُقرأ كسوق يضم أكثر من مائة مليون مستهلك فقط، فمصر تمتلك قناة السويس، وموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، وقاعدة صناعية وبشرية كبيرة، وشبكة اتفاقيات تجارية تمنح المنتج المصنع في مصر، متى استوفى قواعد المنشأ، قدرة على النفاذ إلى أسواق أوسع في أفريقيا والمنطقة، لذلك فإن العرض الاستثماري المصري للصين يجب أن يتطور من تعال وبِع في مصر إلى تعال وصنّع في مصر وانطلق منها إلى العالم، وهنا أيضًا تظهر أهمية سياسة التوازن الاستراتيجي التي رسخها الرئيس عبد الفتاح السيسي في العلاقات الدولية المصرية، فمصر لا تحصر فرصها الاقتصادية في شريك واحد، وإنما تبني شبكة متنوعة من الشراكات مع الصين وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والعالم العربي وأفريقيا، بما يعظم المصلحة الوطنية ويحافظ على استقلالية القرار المصري، فالمعيار الحقيقي لنجاح المرحلة المقبلة لن يكون فقط حجم الاستثمارات الصينية التي تدخل مصر، وإنما في حجم القدرات الصناعية والتكنولوجية التي تبقى في مصر نتيجة لهذه الاستثمارات.

تشهد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس حضورًا صينيًا لافتًا، مثل منطقة تيدا، ما هى أبرز القطاعات الصناعية التي يركز المستثمر الصيني على التوسع فيها داخل مصر حاليًا؟

هناك تحول واضح في طبيعة اهتمام المستثمر الصيني بمصر، فنحن لم نعد نتحدث فقط عن مقاولات أو بنية تحتية، ولكن عن استثمارات صناعية طويلة الأجل، فهناك اهتمامًا قويًا بصناعة السيارات ومكوناتها، خاصة السيارات الكهربائية والبطاريات، والطاقة الجديدة والمتجددة، والمنسوجات والملابس الجاهزة، والبتروكيماويات، والصناعات الدوائية، ومواد البناء، والصناعات الهندسية، والخدمات اللوجستية، بالإضافة إلى قطاعات التكنولوجيا ومراكز البيانات، والمُهم هنا أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لا تقدم للمُستثمر مجرد أرض لإقامة مصنع، فموقعها على أحد أهم مسارات التجارة العالمية، وربطها بالموانئ والأسواق واتفاقيات التجارة المصرية، يمنح المستثمر فرصة لأن يصنع في مصر للعالم، لذلك فالمرحلة المقبلة يجب أن تركز على بناء تجمعات صناعية متكاملة، وليس مجرد جذب مصانع منفردة، فنحن نريد المصنع، ومورديه، ومراكز البحث والتطوير، وسلسلة القيمة المحيطة به، هذا هو الفارق بين جذب الاستثمار وبين بناء قاعدة صناعية مستدامة.

والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل في تقديري واحدة من أقوى الأوراق الاستثمارية التي تمتلكها مصر في التعامل مع المستثمر الصناعي العالمي، وليس الصيني فقط، فالمستثمر الصيني ينظر إليها من زاوية مهمة جدًا من حيث الموقع والصناعة والميناء، والوصول إلى الأسواق، وتجربة تيدا مصر داخل منطقة السخنة أثبتت أهمية نموذج التجمع الصناعي؛ لأن المستثمر لا يدخل وحده إلى سوق جديد، وإنما يجد بيئة صناعية وموردين وخدمات وخبرة متراكمة في التعامل بين الجانبين، لكن المستثمر العالمي اليوم لا يقارن مصر بالماضي؛ هو يقارنها بفيتنام والمغرب وتركيا وإندونيسيا ودول أخرى، لذلك فالحافز الأهم في المرحلة المقبلة ليس بالضرورة إعفاءً ضريبيًا جديدًا، أهم حافز للمستثمر طويل الأجل هو القدرة على التنبؤ، وأن يعرف المستثمر بوضوح مدة إصدار الترخيص، وتوقيت تخصيص الأرض، وتوصيل المرافق، والإجراءات الجمركية، وكيفية تحويل الأرباح، وما القواعد التي ستطبق عليه بعد خمس أو عشر سنوات، وهنا أرى أن مصر قطعت خطوات مهمة في الرخصة الذهبية والرقمنة والشباك الواحد، لكن المنافسة الدولية تفرض علينا الاستمرار في تقليل الزمن والتكلفة وتحسين التنسيق المؤسسي، فرأس المال يذهب إلى حيث توجد الفرصة، لكنه يستقر حيث توجد الثقة والقدرة على التنبؤ.

تحل مصر كشريك استراتيجي في مبادرة الحزام والطريق.. ما الفرص التي توفرها المبادرة لمؤسسات الأعمال المصرية للوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية؟

أنا أنظر إلى مبادرة الحزام والطريق باعتبارها أكبر من شبكة طرق وموانئ ومشروعات بنية تحتية، بالنسبة لمصر فهي فرصة لتعزيز دورها التاريخي كحلقة وصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتعد قناة السويس، والموانئ المصرية، والمنطقة الاقتصادية، والبنية التحتية التي تم تطويرها خلال السنوات الماضية، إلى جانب اتفاقيات مصر التجارية، كلها تمنحنا فرصة لأن نكون مركزًا للإنتاج والتجارة والخدمات اللوجستية داخل هذه المنظومة، لكن علينا أيضًا أن ننظر إلى المبادرة من زاوية القطاع الخاص المصري، نريد شركات مصرية تدخل في شراكات مع نظيراتها الصينية، وتشارك في سلاسل الإمداد، وتدخل السوق الصينية، وتنطلق بالشراكة مع الصين إلى أفريقيا، فموقع مصر الجغرافي ميزة منحنا إياها التاريخ، لكن تحويل هذا الموقع إلى قيمة اقتصادية مستدامة هو مسؤوليتنا، وأنا أقول دائمًا إن طريق الحرير الجديد يمر بالفعل بمصر؛ لكن السؤال هنا ماذا سيترك في مصر؟ فإذا كانت البضائع تنتقل من آسيا عبر قناة السويس إلى أوروبا، ومصر تحصل فقط على قيمة المرور والخدمات اللوجستية، فنحن نستفيد من موقعنا، لكننا لم نستفد بعد من كامل قيمته الاقتصادية، والفرصة الأكبر هي أن تتحول المنطقة المحيطة بقناة السويس إلى منصة إنتاج وإعادة تصدير، ويأتي جزء من المكونات من الصين، ويضاف إليه مكون مصري، ويحدث التصنيع داخل مصر، ثم ينطلق المنتج النهائي إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، وفق القواعد والاتفاقيات التجارية المنظمة لذلك.

تساهم الشركات الصينية في مشروعات كبرى بمصر مثل حي المال والأعمال والقطار الكهربائي الخفيف.. كيف ترون انتقال العلاقات من مجرد تنفيذ مشروعات إلى نقل التكنولوجيا والمعرفة للعمالة المصرية؟

هذا في تقديري أحد أهم ملفات المرحلة المقبلة، فالمشروعات الكبرى التي تم تنفيذها بالتعاون مع الشركات الصينية أثبتت قدرتنا على العمل معًا على نطاق واسع، لكن المرحلة التالية يجب أن تنتقل من تنفيذ المشروع إلى بناء القدرة المصرية على تنفيذ وتطوير وإدارة التكنولوجيا نفسها، وبالتالي فكل مشروع استراتيجي كبير يجب أن يترك وراءه ثلاثة أصول، أصلًا ماديًا، ومعرفة تكنولوجية، وكوادر مصرية أكثر قدرة، لذلك يجب أن تتوسع الشراكات في التدريب الفني، ونقل المعرفة، والبحث والتطوير المشترك، وربط الجامعات ومراكز التدريب بالصناعة، وزيادة مشاركة الشركات والموردين المصريين في سلاسل القيمة، فالاستثمار الأكثر قيمة للدولة ليس فقط الاستثمار الذي يبني منشأة، بل الاستثمار الذي يبني قدرة وطنية تستمر بعد انتهاء المشروع.

يواجه الاقتصاد العالمي تحديات في سلاسل الإمداد وتذبذب أسعار العملات.. كيف يمكن مساعدة المستثمرين من الطرفين لتجاوز هذه العقبات؟

هذه التحديات تؤكد لنا أن نموذج الاقتصاد العالمي نفسه يتغير، فالدول والشركات أصبحت تبحث عن سلاسل إمداد أقصر وأكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة الصدمات، ومن هنا تأتي أهمية مصر، فبدلًا من النظر إلى اضطرابات سلاسل الإمداد باعتبارها أزمة فقط، علينا أن نراها أيضًا كفرصة لإعادة توطين أجزاء من سلاسل القيمة العالمية داخل مصر، لذا نعمل على تقريب وجهات النظر بين القطاع الخاص والجهات المعنية، والاستماع للمشكلات العملية التي تواجه المستثمرين، والمساعدة في الوصول إلى حلول مؤسسية، إلى جانب تشجيع الشركات على زيادة المكون المحلي وتقليل الاعتماد على مدخلات الإنتاج المستوردة كلما كان ذلك اقتصاديًا وممكنًا، وأفضل حماية من اضطراب سلاسل الإمداد ليست الانغلاق، وإنما بناء قاعدة إنتاجية أكثر قوة وتنوعًا.

هناك توجه مصري قوي نحو توطين الصناعة بدلًا من الاستيراد.. ما رؤيتكم لتشجيع المصانع الصينية على إنشاء خطوط إنتاج داخل مصر لتغطي السوق المحلي والتصدير؟

هذه تحديدًا واحدة من أهم أولوياتنا، فرسالتنا للشركات الصينية أصبحت واضحة، لا تنظروا إلى مصر كسوق يضم أكثر من مائة مليون مستهلك فقط، انظروا إليها كمنصة إنتاج تستطيع الوصول منها إلى مئات الملايين من المستهلكين في أفريقيا والعالم العربي وأسواق أخرى، ونعمل على تحديد الشركات والصناعات التي يوجد فيها طلب محلي كبير أو فرصة تصديرية حقيقية، ثم ربط المستثمر الصيني بالشركاء المصريين والجهات الحكومية والمناطق الصناعية المناسبة، لكن التوطين للصناعة بالنسبة لي لا يعني مجرد تجميع منتج صيني داخل مصر، فالتوطين الحقيقي يعني زيادة المكون المحلي تدريجيًا، وتأهيل المورد المصري، ونقل المعرفة، وتدريب العمالة، ثم الانتقال لاحقًا إلى البحث والتطوير، فطموحنا يجب أن يكون واضحًا وهو جعل شعار صنع في مصرلا أن نصنع لمصر فقط، بل أن نصنع من مصر للعالم.

وتوطين الصناعة في تقديري هو أحد أهم الملفات التي يمكن أن تتحول فيها العلاقة مع الصين إلى أداة مباشرة لتحقيق أهداف التنمية المصرية، وأننا علينا أولًا أن نحدد ماذا نعني بالتوطين، فالتوطين ليس أن ننقل خط تجميع من الصين إلى مصر ونستورد جميع مكوناته، هذا يمثل بداية جيدة، لكنه ليس الهدف النهائي أما التوطين الحقيقي يعني أن تبدأ الصناعة بالتجميع، ثم تزيد نسبة المكون المحلي، ثم يدخل المورد المصري إلى سلسلة الإنتاج، ثم تنتقل المعرفة الفنية والهندسية، وصولًا إلى مرحلة يصبح فيها جزء من التصميم والتطوير والابتكار نفسه موجودًا داخل مصر، أما دور مؤسسة رجال الأعمال المصريين الصينيين، فنحن لا نحل محل الحكومة أو الجهات المختصة، وإنما نعمل كجسر بين الفرصة المصرية والقدرة الصناعية الصينية، نتواصل مع الشركات والمقاطعات والجهات الاقتصادية الصينية، ونساعد في تعريف المستثمر بالفرص والقطاعات ذات الأولوية، ونربطه بالجهة الحكومية والشريك المصري المناسب، ونعمل على إزالة فجوة المعلومات والثقافة التجارية بين الجانبين، نحن نحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى التفكير بمنطق سلاسل القيمة وليس المصانع المنفردة، فإذا نجحنا في جذب مصنع سيارات كهربائية، فهدفنا التالي يجب أن يكون جذب أو تطوير مصانع البطاريات والمحركات والإلكترونيات والمقاعد والإطارات، ثم مراكز التدريب والهندسة والبحث والتطوير، والفرق كبير بين أن نجذب مصنعًا إلى مصر وبين أن نبني صناعة في مصر؛ وطموحنا يجب أن يكون الثاني.

ما أبرز القطاعات الصناعية الأكثر جاذبية للجانب الصيني حاليًا، والتي ترون أنها تمتلك مؤهلات التوطين السريع؟

هناك مجموعة من القطاعات أرى أنها مرشحة بقوة، وبعضها بالفعل أصبح ضمن الأولويات الواضحة للتعاون المصري الصيني: السيارات الكهربائية ومكوناتها، بطاريات تخزين الطاقة، الطاقة الشمسية والرياح، الإلكترونيات والأجهزة المنزلية، الصناعات الهندسية، الصناعات الكيماوية والبتروكيماويات، ومكونات تحلية المياه وبناء السفن، لكنني أضيف إلى ذلك قطاعين أراهما شديدي الأهمية للمرحلة المقبلة، الأول هو التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي. فالصين أصبحت قوة تكنولوجية عالمية، وهناك فرصة كبيرة للتعاون مع شركات مثل هواوي وغيرها، ليس فقط في توفير المعدات، وإنما في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعي وتطوير الكفاءات المصرية، والثاني هو الزراعة والتصنيع الغذائي والتكنولوجيا الزراعية، لأن الأمن الغذائي أصبح جزءًا من الأمن الاقتصادي للدول، ويمكن الجمع بين الخبرة الصينية والقدرات الزراعية المصرية لبناء مشروعات تستهدف السوق المحلي والتصدير، وهناك كذلك فرصة كبيرة في الطاقة المتجددة وتخزين الطاقة، إلى جانب المشروعات الكبرى المحتملة في قطاع البتروكيماويات على البحر الأحمر، وأعتقد أن اختيار الصناعات يجب ألا يعتمد فقط على حجم الاستثمار المتوقع، علينا أن نسأل عن نسبة المكون المحلي، وحجم الصادرات، وعدد الموردين المصريين، وفرص نقل التكنولوجيا، وقدرة الصناعة على خلق وظائف ذات إنتاجية مرتفعة، ولسنا في سباق لجذب أكبر عدد من المصانع؛ نحن في سباق لبناء أكبر قدر ممكن من القيمة الصناعية داخل الاقتصاد المصري.

التكنولوجيا الصينية أصبحت منافسًا رئيسيًا على المستوى العالمي.. ما هى الآليات العملية لضمان تدريب وتأهيل الكوادر المصرية على العمل بهذه التكنولوجيا المتطورة؟

هذه نقطة شديدة الأهمية، لأنني أعتقد أن أهم تكنولوجيا يمكن أن تنقلها أي دولة إلى مصر ليست الآلة نفسها، وإنما المعرفة التي تمكّن المصري من تشغيلها وتطويرها وصناعة الجيل التالي منها، ولهذا يجب ألا نفصل ملف الاستثمار عن ملف رأس المال البشري، فعندما تأتي شركة صينية بتكنولوجيا متقدمة إلى مصر، نحتاج إلى نموذج تعاون يربط المصنع بالجامعات والمعاهد الفنية ومراكز التدريب، ويخلق برامج تدريب مشتركة للمهندسين والفنيين المصريين، ويتيح فرصًا للتدريب داخل الصين، ثم يعيد هذه الخبرة إلى خطوط الإنتاج في مصر، والمرحلة التالية يجب أن تشمل برامج تدريب المدربين، بحيث لا نظل معتمدين بصورة دائمة على الخبراء الأجانب، وإنما نبني كوادر مصرية تستطيع بدورها تدريب أجيال جديدة، وأرى أن دورنا هنا يمكن أن يكون المساعدة في بناء هذه الروابط بين الشركات الصينية والجامعات والمؤسسات التعليمية والتدريبية المصرية، وتشجيع الشركات التي نتعامل معها على جعل التدريب ونقل المعرفة جزءًا أصيلًا من خطتها الاستثمارية، وفي عالم تتحرك فيه التكنولوجيا بسرعة شديدة، فالاستثمار في البشر ليس ملفًا اجتماعيًا منفصلًا عن الاستثمار الاقتصادي؛ بل هو جزء من الأمن التكنولوجي والتنافسي للدولة، فالمصنع الذي يأتي إلى مصر قد يبقى عشرين عامًا، لكن المهندس المصري الذي يتعلم التكنولوجيا يستطيع أن يبني صناعة تستمر خمسين عامًا.

هل تقتصر الشراكات الحالية على عمليات التجميع والإنتاج أم أن هناك توجهًا نحو التوسع في مراكز البحث والتطوير المشتركة داخل مصر؟

لدينا بالفعل تطور من التجارة إلى التصنيع والتوطين، لكنني أعتقد أن البحث والتطوير يجب أن يكون أحد أهداف الجيل القادم من الاستثمارات الصينية في مصر، وأي دولة تستطيع جذب خط إنتاج إذا قدمت سوقًا وحوافز مناسبة، لكن الدول التي تنجح صناعيًا على المدى الطويل هي التي تستطيع جذب العقول والتصميم والهندسة والابتكار إلى جانب المصنع، ومصر لديها ميزة مهمة هنا حيث لديها قاعدة كبيرة من المهندسين والمُبرمجين والكوادر الشابة، وتكلفة تنافسية، وموقع زمني وجغرافي يسمح بخدمة أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، لذلك أرى أن علينا أن نبدأ في استهداف مراكز هندسية ومراكز تصميم وبرمجيات واختبار منتجات ومختبرات مشتركة، خصوصًا في السيارات الكهربائية، والطاقة، والإلكترونيات، والاتصالات والذكاء الاصطناعي، ويمكن أن نبدأ بصورة عملية، فكلما وصل مشروع صناعي كبير إلى حجم معين في مصر، ينبغي أن نعمل مع المستثمر على إضافة وحدة هندسية أو مركز تدريب متقدم، ثم البحث والتطوير تدريجيًا، والمرحلة الأولى من الاستثمار الأجنبي تسأل: أين سيقام المصنع؟ أما المرحلة الأكثر تقدمًا فتسأل: أين سيجلس المهندس الذي سيصمم المنتج القادم، وينبغي أن تكون الإجابة هنا أنه في مصر.

ما أبرز العقبات التي تواجه المستثمرين الصينيين في مصر حاليًا، وكيف تتواصل المؤسسة مع الجهات الحكومية لحلها؟

أعتقد أنه من الخطأ أن نتحدث عن الاستثمار فقط من خلال الفرص ولا نتحدث عن التحديات، فالمستثمر المحترف يعرف أن كل سوق لديه تحديات، وما يهمه هو مدى وضوحها وقدرة الدولة على التعامل معها، ومن خلال التواصل مع مجتمع الأعمال، هناك ملفات تتكرر، في هذا السياق ممثل سرعة ووضوح بعض الإجراءات، والتنسيق بين الجهات المختلفة، والإجراءات الجمركية واللوجستية، وتوفير الأراضي الصناعية والمرافق في التوقيت المطلوب، والوضوح المالي والتحويلات، إلى جانب تحدٍ آخر أراه مهمًا جدًا وهو الوصول إلى الشريك المصري والمورد المحلي المناسب، وهناك أيضًا فجوة ثقافية ومعلوماتية، فالشركة الصينية التي تدخل مصر للمرة الأولى تحتاج إلى فهم التشريعات وطريقة العمل والسوق والثقافة المؤسسية، مثلما تحتاج الشركة المصرية التي تدخل الصين إلى الشيء نفسه، وهنا يأتي دور المؤسسة، نحن لا نتعامل مع أنفسنا كبديل عن الحكومة ولا كجهة تصدر تراخيص أو قرارات. دورنا هو تقصير المسافة بين المستثمر والمؤسسة الصحيحة، والمساعدة في فهم المشكلة بصورة دقيقة، والتواصل المؤسسي مع الجهات المختصة، والمساهمة في إيجاد الشريك المحلي أو المُورد المناسب، والأهم أن نتعامل مع مشاكل المستثمر قبل أن تتحول إلى رسالة سلبية تنتقل إلى عشرات المستثمرين الآخرين فتجربة مستثمر واحد ناجح قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا في جذب الاستثمار من عشر حملات ترويجية.

كيف تسهم المؤسسة في تعزيز وتسهيل دخول استثمارات القطاع الخاص الصيني إلى السوق المصري في ظل القوانين والحوافز الاستثمارية الجديدة؟

دورنا في مؤسسة رجال الأعمال المصريين الصينيين هو أن نكون جسرًا مؤسسيًا موثوقًا بين المستثمر ومؤسسات الدولة، وليس بديلًا عنها، فالمستثمر الأجنبي يحتاج إلى ثلاثة أشياء أساسية: معلومة صحيحة، شريك موثوق، ومسار واضح للتعامل مع المؤسسات، ونحن نعمل على هذه المحاور من خلال التواصل المباشر مع الشركات الصينية، وتعريفها بالفرص الحقيقية داخل مصر، وربطها بالجهات الحكومية والقطاع الخاص المصري، والمساعدة في فهم البيئة التشريعية والتنظيمية، وقد بنينا خلال السنوات الماضية قنوات تعاون مع جهات مصرية مختلفة، من بينها مصلحتا الضرائب والجمارك، لأن جزءًا مهمًا من جذب الاستثمار هو الاستماع للمستثمر بعد دخوله السوق، وليس فقط قبل اتخاذه قرار الاستثمار، ومصر قامت بخطوات مهمة لتحسين بيئة الاستثمار وتبسيط الإجراءات وتطوير الحوافز، ودورنا هو المساهمة في تحويل هذه الإصلاحات إلى تجربة استثمار ناجحة يشعر بها المستثمر على أرض الواقع.

أخيرًا ما هى الرسالة التي توجهونها لرأس المال الصيني الراغب في الاستثمار في مصر، ولرجال الأعمال المصريين الساعين للشراكة مع الصين؟

رسالتي للمستثمر الصيني هي، انظر إلى مصر بمنظور السنوات العشرين المقبلة، وليس بمنظور العام المقبل فقط، فمصر دولة تمتلك موقعًا استراتيجيًا استثنائيًا، وسوقًا كبيرًا، وقاعدة بشرية شابة، وبنية تحتية تم تطويرها بصورة كبيرة، واتصالًا بأفريقيا والعالم العربي وأوروبا، والأهم أنها تمتلك إرادة واضحة لتعميق الصناعة وزيادة دور القطاع الخاص وجذب الاستثمار المُنتج، ورسالتي لرجل الأعمال المصري هى أن الصين ليست فقط أكبر مصنع في العالم أو سوقًا للاستيراد، فالصين اليوم واحدة من أهم مراكز التكنولوجيا والابتكار ورأس المال والمعرفة الصناعية عالميًا، وعلينا أن ننتقل من عقلية الشراء من الصين إلى عقلية الشراكة مع الصين، وبعد سبعين عامًا من العلاقات الدبلوماسية، أعتقد أن لدينا فرصة تاريخية، فالجيل السابق بنى جسور الثقة بين مصر والصين، ومسؤولية جيلنا أن يحول هذه الثقة إلى مصانع وتكنولوجيا وصادرات وفرص عمل ومعرفة ومستقبل مشترك، لأن المرحلة المقبلة من العلاقات المصرية الصينية لا يجب أن يكون عنوانها فقط: كم نتبادل من التجارة، بل ماذا تستطيع مصر والصين أن تصنعا معًا للعالم.

أخبار مشابهة