آراب فاينانس: يحتاج طلاب الثانوية العامة نتيجة ما يتعرضون له من ضغوط نفسية واجتماعية لكثير من الدعم على عدة مستويات خاصة أن تلك السنة التي يتحدد بها مصير الطالب الجامعي ومسيرته المهنية، لذا يجب إدارتها بكفاءة للوصول للأهداف المرجوة بنجاح دون خسائر نفسية أو جسدية للطلاب.
من جانبه وجه محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني كلمة لطلاب الثانوية العامة وأولياء الأمور مع انطلاق الامتحانات رسميًا أمس قائلًا: لقد بذلت كافة أطراف المنظومة التعليمية جهودًا مضنية كي تنطلق امتحانات الثانوية العامة وسط إجراءات حازمة وحاسمة تحقق مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، لذا ندعوكم إلى الابتعاد عن الشائعات ومصادر القلق، والالتزام الكامل بضوابط الامتحانات، والحفاظ على قيم النزاهة والاستحقاق.
ارتفاع مستويات التوتر للطلاب يقلل من كفائتهم
من جانبها قالت الدكتورة إيمان عبد الله، استشاري العلاج النفسي الأسري، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن الطلاب قد يتعرضون لحالة من القلق خلال فترة امتحانات الثانوية العامة لكن هنا يجب أن نفرق بين نوعين من القلق الأول هو القلق الصحي الذي خُلقنا به والذي يكون حافزًا للإنجاز والتقدم في العمل والمذاكرة، مما يزيد من اليقظة الذهنية وبالتالي فالقلق ليس دائمًا عدوًا للإنسان، لكن هناك قلق مرضي وهو الذي يتحول لخوف مما يخلق الحالة التي نسميها في علم النفس الشلل النفسي، وهى حالة تجعل الطالب غير قادر على البدء في المذاكرة ولديه شعور باللامبالاة، مما يقلب حياته رأسًَا على عقب، فعلى سبيل المثال يمكنه قراءة إحدى الصفحات أكثر من مرة لكنه لا يستوعب ما يقرأه، وبالتالي يعاني من اضطراب شديد في الاستيعاب، إلى جانب الاضطراب في النوم، وهنا يحتاج الطالب لعلاج واستشارات نفسية فورية، لكي ينجز ما تبقى له من واجباته ويجب ألا نتجاهل تلك الأعراض بل ينبغي علاجها على الفور.
وأضافت عبد الله، أنه وبناء على الأبحاث العلمية التي نستعين بها في علم الأعصاب فهي تؤكد أن ارتفاع مستويات التوتر ترفع من هرمون الكورتيزول لدى الإنسان، بصورة كبيرة مما يؤثر على منطقة "الحصين"، وهى المنطقة المسئولة عن استرجاع المعلومات، مما يؤثر على أداء الطالب خلال الإجابة على الامتحانات.
وحول توقعات الأهل لأداء الطلاب تؤكد عبد الله، أن هذه التوقعات تمثل ضغطًا على الطلاب، وهى أحيانًا تكون أشد من ضغوط الامتحانات ذاتها، فالطالب هنا يتعرض لما يسمى الحب المشروط من الأهل ففي حالة تفوقه يحظى بالرضى منهم، وفي حالة إخفاقه قد يتعرض للسخط من جانبهم وهو ما يشعر الطالب بأن قيمته الإنسانية لدى الوالدين مرتبطة بمجموع درجاته وتفوقه العلمي، حيث تشير الدراسات العلمية أن الضغط الأسري المُفرط يرفع مستويات القلق لدى الأبناء، مما يزيد من القلق لديهم ويعوقهم عن أداء عملهم، وقد يودي بهم لحالة من الاكتئاب، مع انخفاض الدافعية، والشلل النفسي الناتج عن رفع سقف التوقعات بما لا يتوافق مع إمكانات الطالب نفسه.
وأوضحت الخبيرة النفسية، أن تلك الضغوط النفسية من الأهل قد تُعرض طالب الثانوية العامة لمزيد من الصراع الداخلي خلال تلك الفترة الحرجة المعروفة بفترة المراهقة وهى فترة تتسم بشئ من التعقيد، والصراع النفسي، الداخلي والخارجي، حيث يحتاج الطالب في تلك المرحلة إلى الحب والاحتواء والاحتضان.
وأشارت إلى أن الدراسات العلمية أثبتت أن طلاب الثانوية العامة قد يتعرضون لما يسمى الاحتراق النفسي، نتيجة المرور بالإرهاق الانفعالي، مما يعرضه للانفصال عن الواقع، وأداء المذاكرة، وكذلك قد ينتابه شعور بانخفاض الكفاءة، نتيجة الاستنزاف العصبي والنفسي التي تعرض له دون فترات راحة، وتعافي، خاصة أن الدماغ لا تعمل مثل الآلات لأنها نتيجة العمل المستمر دون توقف تتعرض للإجهاد لذلك ينبغي أن يكون لدى الطالب فترات راحة مناسبة ومفيدة وليس مضيعة للوقت، وذلك سيكون في النهاية لصالحه.
وترى الدكتورة ولاء شبانة، استشارى الصحة النفسية والخبيرة التربوية أن علاج الاحتراق النفسي لدى الطلاب يحتاج عدد من الخطوات حيث تؤكد أنه عند شعور الطالب بعجز تام عن المذاكرة، ينصح بـ بروتوكول 24 ساعة يتمثل في البداية بالاعترف بحالة الإرهاق، ومنح الطالب إجازة كاملة خالية من الذنب، ثم العودة في اليوم التالي بجلسة 15 دقيقة فقط على جزء سهل لكسر حاجز الخوف، وأشدد هنا على أن النوم والتغذية والتعرض للشمس جزء لا يتجزأ من العلاج، لأن 70 % من الاحتراق النفسي سببه إنهاك جسدي.
وتشير شبانة إلى أنه لكي يواجه الطالب ما يسمى بـ "ضباب التوتر" داخل لجان الامتحان، ينبغي عليه اتباع ثلاث تقنيات، الأولى هى تقنية التنفس من 4 إلى 8 دقائق لخفض الأدرينالين، مع تدوين القوانين الأساسية على مسودة الورقة فور استلامها، وتحويل السؤال الصعب إلى تساؤل منطقي: ما المطلوب إثباته هنا؟.
بينما تؤكد عبد الله أن تعرض الطالب للخوف هو السبب الرئيسي لنسيان المعلومات، خاصة مع ارتفاع نسبة الكورتيزول نتيجة التوتر والخوف من النتيجة لذلك يجب تهيئة الطالب في الدقيقة الأولى للامتحان حتى يكون هادئًا وقادرًا على الإجابة مع البدء بالإجابة أولًا على الأسئلة السهلة.
نصائح لطلاب الثانوية العامة
وتنصح عبد الله بتوفير الهدوء للطالب، والابتعاد عن مصادر التشويش مثل الموبايل، وتجنب الشعور السلبي، والأشخاص السلبيين والمحُبطين، مع تنظيم الوقت من خلال جدول مناسب، ووفق إمكانيات الواقع المعاش لأن العقل البشري له حدود في التركيز وينبغي الحصول على راحة بعد كل ثلاثين دقيقة، وفق الدراسات العلمية، كما يجب تحديد الأهداف مع المراجعة النشطة للدروس والمعلومات، ويمكن البدء بأربع ساعات مذاكرة يوميًا على الأقل قابلة للزيادة مع ضرورة النوم الكافٍ الذي يساعد على التركيز، مع ممارسة الرياضة الخفيفة والتريض.
وتتفق الدكتورة ولاء شبانة مع عبد الله حيث تؤكد أن مفهوم التفوق الذكي غير مرتبط بعدد ساعات أطول في المذاكرة بل أنفى كمتخصص أسطورة 14 ساعة مذاكرة يوميًا وأؤكد أن طالب ينام 8 ساعات ويدرس 6 ساعات بتركيز، يتفوق على من يسهر ويدرس 14 ساعة بتشتت، فالتفوق الذكي يعني استثمار ساعات الذروة، وتغليب الحل والفهم على الحفظ، وجعل النوم جزءًا من المذاكرة.
التغذية التي تدعم التركيز لدى طلاب الثانوية العامة
القضية ترتبط أيضًا بالتغذية السليمة لطلاب الثانوية العامة والتي تحافظ على ذاكرة وتركيز الطلاب كما توضح الدكتورة فيروز صقر عاشور الأستاذ المساعد للتغذية والصحة العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة حيث تشير إلى أنه لا يوجد غذاء سحري يمكنه تحسين الذاكرة أو رفع التحصيل الدراسي بمفرده، بل أفضل ما يمكن أن يقدمه الطالب لدماغه هو نظام غذائي متوازن يحتوي على مصادر جيدة للبروتين مثل البيض، ومنتجات الألبان، والبقوليات، واللحوم، إلى جانب الدهون الصحية الموجودة في المكسرات والأسماك، وكميات كافية من الخضروات والفاكهة والحبوب الكاملة. كما أن الأطعمة المصرية التقليدية مثل الفول والعدس والبليلة تعد خيارات ممتازة لأنها توفر طاقة مستدامة وتساعد على الشعور بالشبع والتركيز لفترات أطول، ولا يقل شرب الماء أهمية عن اختيار الطعام نفسه.
وجبة الإفطار المثالية
وحول وجود وجبة إفطار مثالية تساعد على النشاط طوال اليوم للطلاب توضح عاشور في تصريحاتها لـ آراب فاينانس أن بعد ساعات النوم الطويلة، يحتاج الدماغ إلى الوقود ليبدأ يومه بكفاءة، لذلك فإن تناول الإفطار يرتبط عادة بتحسن الانتباه والتركيز والقدرة على الاستيعاب، والإفطار المثالي، هو الذي يجمع بين النشويات المعقدة والبروتين وبعض الدهون الصحية، مثل الفول مع الخبز البلدي والسلطة، أو البيض مع الخبز الأسمر والخضروات، أو البليلة باللبن، أو الزبادي مع الفاكهة (غير المحلى) والمكسرات. أما الاعتماد على الحلويات أو المخبوزات السكرية فقط فقد يعطي طاقة سريعة لكنها لا تدوم طويلًا، وبالنسبة للطلاب الذين يتبعون الصيام المتقطع، فلا أنصح ببدء أي نظام غذائي جديد خلال فترة الامتحانات، فالأهم هو الحفاظ على مستوى جيد من الطاقة والتركيز والتغذية.
ووفق الموقع الرسمي لمنظمة الصحة العالمية تتطوّر النظم الغذائية بمرور الوقت، حيث تتأثّر بالعديد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تتفاعل بطريقة معقّدة لتشكيل الأنماط الغذائية الفردية، وتشمل هذه العوامل الدخل وأسعار الغذاء مما سيؤثّر على توافر الأغذية الصحية والقدرة على تحمُّل تكلفتها، وتفضيلات الأفراد ومعتقداتهم، والتقاليد الثقافية، والجوانب الجغرافية والبيئية بما في ذلك تغيُّر المناخ، ولذلك فإن تهيئة بيئة غذائية صحية - تُشجِّع على اتباع نظام غذائي متنوع ومتوازن وصحي - تتطلّب مشاركة قطاعات وجهات معنية متعدّدة، بما فيها الحكومات، والقطاعان العام والخاص، وتضطلع الحكومات بدور مركزي في تهيئة بيئة غذائية صحية تمكِّن الناس من تبنّي ممارسات غذائية صحية والمواظبة عليها.
وفيما يتعلق باعتماد بعض الطلاب على الوجبات السريعة نتيجة ضيق الوقت تشير الخبيرة في مجال التغذية والصحة العامة إلى أنه يمكن استبدال ذلك بـ السناك الصحي والذي لا يحتاج إلى مجهود أو تكلفة كبيرة حيث يمكن للطالب اختيار الفاكهة الطازجة، أو حفنة من المكسرات، أو الزبادي، أو الجبن مع الخبز الكامل، أو الحمص المحمص، أو الذرة المشوية، أو حتى طبق صغير من البليلة، هذه الخيارات توفر مزيجًا من النشويات والبروتين والألياف والدهون الصحية، مما يساعد على الحفاظ على مستوى ثابت من الطاقة والتركيز، أما الشيبسي والحلوى والمنتجات المصنعة فغالبًا ما تُشبع لفترة قصيرة ثم يعود الشعور بالجوع والتعب سريعًا.
وحسب الموقع الرسمي لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع مجلس الوزراء المصري أثبتت دراسات اقتصادات الصحة التي أجريت في مصر أن تكلفة علاج الأمراض المصاحبة لسوء التغذية قد تصل إلى 62 مليار جنيه مصري، لذلك اعتبرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن سوء التغذية تحدٍ صعب وخطير يواجه مصر.
ماذا عن الحلويات الغنية بالسكريات إذن؟ تؤكد عاشور أن الأطعمة والمشروبات الغنية بالسكريات المضافة قد تعطي دفعة سريعة من الطاقة، لكنها غالبًا ما يتبعها انخفاض سريع في مستوى السكر في الدم، مما قد يجعل الطالب يشعر بالتعب أو الجوع أو العصبية أو صعوبة في التركيز، لذلك فإن ما يُعرف بين الناس بـ"الهبوط" له أساس علمي بالفعل. ورغم أن الحلويات قد تبدو مغرية أثناء المذاكرة، إلا أنها ليست أفضل خيار للحفاظ على التركيز لساعات طويلة. الأفضل هو اختيار وجبات أو سناكس تحتوي على مزيج من النشويات والبروتين والدهون الصحية، لأنها توفر طاقة أكثر استقرارًا وتساعد على الحفاظ على النشاط والتركيز طوال اليوم.
وتوضح إحصائيات برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أن 45.4% من المصريين لا يستطيعون تحمل تكلفة نظام غذائي كافٍ لهم، و84.8% لا يستطيعون تحمل تكلفة نظام غذائي صحي متوازن، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المصاحبة لسوء التغذية مثل، السمنة، والأنيميا، والتقزم، بالإضافة إلى الإصابة بالأمراض غير السارية مثل، السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب وغيرها، ونتيجة زيادة معدلات انتشار سوء التغذية، زادت تكاليف الرعاية الصحية لعلاج المصابين من تلك الأمراض.
وكان أحمد رستم، وزير التخطيط، قد أعلن أمام مجلس النواب زيادة مخصصات التعليم بنسبة 25% والإنفاق على قطاع الصحة بنسبة 39.5% ضمن مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027.
وأكد رستم، أن تقديرات الناتج المحلي الإجمالي للعام المالي المقبل تبلغ 24.5 تريليون جنيه، وفقًا لمستهدفات الخطة الاقتصادية المعتمدة والأسس العلمية التي تستند إليها الحكومة في إعداد الموازنة وخطط التنمية.
وأشار وزير التخطيط إلى أن معدلات الاستثمار في قطاعي التعليم والصحة تشهد زيادة غير مسبوقة مقارنة بالعام المالي الحالي، بما يدعم جهود الدولة في تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وتعزيز التنمية البشرية.