آراب فاينانس: كشفت أحدث إحصائيات الهيئة العامة للرقابة المالية عن مواصلة القطاع المالي غير المصرفي نشاطه الملحوظ إلا أن توزيع تلك التمويلات ألقى بظلاله على توجهات حركة السيولة في السوق، حيث واصل النشاط التجاري الاستحواذ على الحصة الأكبر من محفظة عقود الشركات والجهات المرخص لها، وفي المقابل، أظهرت الأرقام تراجعًا في حصص القطاعات الإنتاجية ذات الوزن النسبي الهيكلي، وفي مقدمتها القطاعان الصناعي والزراعي، لصالح النشاط التجاري والخدمي والتمويل الاستهلاكي والتخصيم الموجه لتنشيط دورة رأس المال السريع، ويرسم هذا المشهد تباينًا ملحوظًا بين وفرة تمويلات التجارة ذات العائد السريع من جهة، ودعم القطاعات الإنتاجية طويلة الأجل من جهة أخرى، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول آليات جذب وتمكين القطاعين الزراعي والصناعي للحصول على التمويل غير المصرفي اللازم مما يساهم في زيادة الإنتاجية.
وجاءت نتائج التقرير الشهري للهيئة العامة للرقابة المالية خلال شهر مايو 2026 حول الأنشطة المالية غير المصرفية وفق التقرير الذي حصل "آراب فاينانس" على نسخة منه لتوضح أن أرصدة التمويل للمشروعات المتوسطة والصغيرة في نهاية مايو 2026 بلغت 25.9 مليار جنيه مقارنة بـ 20.2 مليار جنيه في نهاية مايو 2025، حيث استحوذ النشاط التجاري على 58.52% من التمويل في مايو 2026 مقارنة بـ 73.67% في مايو 2025 بينما حصل النشاط الخدمي على 22.36% من التمويل في مايو 2026 مقارنة بـ 12.46% في مايو 2025، والنشاط الإنتاجي 15.12 % فقط في مايو 2026 مقارنة بـ 7.76% في مايو 2025 والزراعي 4% في مايو 2026 مقارنة 5.48% في مايو 2025 حيث زاد عدد المستفيدين من التمويل من 14.4 ألف مستفيد في مايو 2025 لـ 17.2 ألف مستفيد في مايو 2026.
ينبغي تصحيح مسار التمويلات الموجهة للمشروعات
من جانبها أكدت الدكتورة هالة أبو السعد، رئيسة مجلس إدارة الاتحاد المصري لتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، في تصريحات حصرية لـ "آراب فاينانس" أنه ينبغي تصحيح مسار التمويلات الموجهة للمشروعات لتخدم الاقتصاد المصري وتدفع النمو الاقتصادي نحو التقدم بشكل أكثر فعالية إلى جانب معالجة الخلل الهيكلي الواضح بين التمويل التجاري والإنتاجي، لافتة إلى أن الاتحاد يقوم بدور في ذلك من خلال توسيع دائرة التمويل لدعم الأنشطة الإنتاجية سواء الزراعية أو الصناعية، منوهة بأن ذلك لا يعني التوقف عن دعم النشاط التجاري لكن من الأفضل بالطبع دعم المشروعات الزراعية والصناعية بما يساهم في دعم سياسات الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي وزيادة الرقعة الزراعية، موضحة أن القطاع يستهدف الوصول إلى 13 مليون مواطن وعميل من خلال التوسع في خدمات التمويل متناهي الصغر والشمول المالي لدعم الاقتصاد المصري وزيادة الإنتاج.
وحول وجود عوائق إدارية أمام صغار المزارعين للحصول على التمويلات المتعلقة بالأنشطة الزراعية أضافت أبو السعد أن المنتجات الزراعية في مصر بها إشكالية نظرًا لكونها موسمية خاصة أن طبيعة دورة التمويل متناهي الصغر، تكون سريعة الاسترداد بشكل شهري وهو مالا يتناسب مع طبيعة النشاط الزراعي، ولذلك ينبغي استحداث منتجات جديدة تتوافق مع طبيعة النشاط الزراعي الذي يتسم بالموسمية.
وأشارت عضوة مجلس النواب إلى ضرورة وجود منظومة متكاملة بين الجهات المختلفة مثل جهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة وهيئة التنمية الصناعية وغيرها، بما يدفع نحو النمو الاقتصادي، وتحقيق طفرات في هذا النمو، موضحة أن الاتحاد سيقوم خلال الفترة المقبلة بنقل تجارب دولية ناجحة في مجال تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة من جانب عدد من الدول لافتة إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تعد هى العمود الفقري لأي اقتصاد ناجح لذلك يجب أن يتوافق تمويل المشروعات مع رؤية الدولة التي تستهدف تعميق التصنيع المحلي والحد من الواردات وزيادة التصدير.
استحواذ الأنشطة الاستهلاكية على التمويل يؤثر سلبًا على الاقتصاد
بينما قال الدكتور مصطفى بدرة، أستاذ التمويل والخبير الاقتصادي، في تصريحات حصرية لـ "آراب فاينانس" إن شريحة كبيرة من المواطنين بالتزامن مع ارتفاع مستويات الأسعار وزيادة التضخم تلجأ للاقتراض سواء من الشركات التي تعرف بشركات التمويل الاستهلاكي، أو غيرها، حيث أصبحت تشتهر هذه الشركات بهذه الأنشطة.
وأضاف بدرة أن النشاطين الزراعي والصناعي ليس لديهما ذات الفرص التي يتمتع بها النشاط التجاري نتيجة سرعة دوران رأس المال لهذه الشركات من خلال أنشطة الإقراض والتي تصل فيها الفائدة لنحو 25% سنويًا، حيث لا تحقق الشركات الصناعية والإنتاجية هذا العائد.
ووفقًا للدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، فإن مصر في وضع جيد لتحقيق هدف زيادة الإنتاج الصناعي إلى 25% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي المقبل 2026/ 2027، كما أن القطاع الصناعي في مصر يشهد تسارعًا في معدلات الإنتاجية والنمو، حيث ساهم القطاع بنسبة 15% من الناتج المحلي الإجمالي اعتبارًا من عام 2025، و13% من التوظيف، و64.5% من نشاط الصادرات من إجمالي الصادرات غير النفطية.
وأوضح بدرة أن كل مستثمر سواء زراعي أو صناعي، يبحث عن العوائد المالية من القرض الذي سيحصل عليه، لذلك ومع ارتفاع سعر الفائدة لشركات التمويل غير المصرفي قد لا يكون مناسب له هذا التمويل ذو الفائدة المرتفعة.
وأشار بدرة إلى أن هذه العوامل وتوجيه التمويل للأنشطة التجارية والخدمية على حساب الأنشطة الإنتاجية يؤثر بالطبع على الاقتصاد الكلي في مصر، حيث إن المجتمع المصري يزداد نشاطه الاستهلاكي، ويقل نشاطه الإنتاجي، إذ كلما زاد الإنتاج تتراجع أسعار السلع، وبالتالي فزيادة توجيه التمويل للأنشطة التجارية على حساب الأنشطة الإنتاجية يساهم في زيادة التضخم وارتفاع الأسعار، منوهًا إلى أن القوة الشرائية للجنيه المصري انخفضت نتيجة هذا التضخم وارتفاع الأسعار.
ويرى بدرة، إلى أن الحل يكمن في زيادة الاستثمار والإنتاجية، لأنه لا بديل عن ذلك، لزيادة موارد الدولة، وتقليل الاستيراد.
بينما تؤكد أبو السعد، أن هناك أنشطة يجب أن نوجه إليها التمويل خلال الفترة المقبلة وهى أنشطة الطاقة الجديدة والمتجددة من خلال منتجات تمويلية جديدة، نظرًا لارتفاع أسعار الكهرباء الذي أصبح يمثل عبء على كل الفئات الاجتماعية في مصر، مطالبة أيضًا بالاهتمام بالتمويل الإسلامي الذي يعتمد على المرابحة ويلقى قبول لدى العديد من الفئات الاجتماعية بالمجتمع المصري بما يساهم في تعزيز النمو الاقتصادي، وزيادة الشريحة التمويلية.
شركات التمويل الاستهلاكي أثرت سلبًا على النشاط المصرفي للبنوك
في حين يؤكد أحمد قطب، الخبير الاقتصادي، ومدير التحليل الفني بشركة البحر المتوسط لتداول الأوراق أن شركات التمويل غير المصرفي هى شركات هادفة للربح، لذلك تبحث عن عينة من العملاء الذين ترفض البنوك إعطائهم قروض وتقدم لهم تسهيلات للحصول على القروض، لذا سحبت هذه الشركات البساط من العديد من البنوك وجذبت شريحة كبيرة من عملاء البنوك وأصبحت منافسة للبنوك، حيث تمنحهم قروض صغيرة، وتحصل منهم على الأقساط بمعدل دوران سريع للغاية، بحيث تكون دورة رأس المال أسرع وبربحية أعلى.
وأوضح قطب أن هناك بعض الإشكاليات التي بدأت تظهر نتيجة عدم القدرة على سداد هذه القروض، نتيجة النشاط الاستهلاكي لهذه القروض لأنه هذه القروض لو وجهت لأنشطة إنتاجية ستدر عائد على أصحابها وسيكونوا قادرين على سداد هذه القروض.
وأشار قطب، إلى أن بعض هذه الشركات لا تلتزم بالحصول على الضمانات الكافية للقدرة على سداد هذه القروض، موضحًا أنه رغم قيام هيئة الرقابة المالية بالتحكم في هذا القطاع لكن لايزال هناك بعض الإشكاليات نتيجة توسع نشاط التمويل الاستهلاكي في مصر، حيث يؤثر النشاط على النسيج المجتمعي نتيجة تعثر عدد كبير من عملاء هذه الشركات ووجود عدد كبير من الغارمات الذين تعرضوا لمشكلات قضائية مع هذه الشركات، إلى جانب التأثير السلبي على الاقتصاد المصري ككل إذ تراجعت معدلات الادخار لدى الأفراد في المجتمع المصري، إلى جانب سحب الأموال من النشاطين الزراعي والصناعي وتوجيهها للأنشطة الاستهلاكية.
وأكد أن نشاط هذه الشركات تحول من نشاط يساهم في دعم المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر إلى نشاط استهلاكي بحت غير إنتاجي وله آثار سلبية على الاقتصاد المصري.
وشدد قطب على أهمية توجيه التمويل للأنشطة ذات الأولوية مع تدشين هيئة جديدة للرقابة والمتابعة للتمويل الاستهلاكي تتعاون وتنسق مع كل من هيئة الرقابة المالية والبنك المركزي المصري للأنشطة التي تدعم الاقتصاد المصري، مع ضرورة تأسيس صندوق يوضع فيه احتياطي إلزامي لهذه الشركات تحسبًا لحدوث أي أزمات طارئة تتعرض لها هذه الشركات في المستقبل للحفاظ على حقوق المودعين وأموالهم.
على الجانب الآخر قال مصدر مسئول بالهيئة العامة للرقابة المالية في تصريحات لـ آراب فاينانس إن الهيئة نظمت مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة مؤخرًا مؤتمرًا يستهدف توجيه التسهيلات اللازمة للشركات أو الجمعيات التي تقوم بتمويل المشروعات الزراعية، ومشروعات الإنتاج الحيواني لافتًا إلى اهتمام الهيئة بهذا التوجه، والتوعية به وبالتوازي كذلك مع الاهتمام بنشاط التأمين خاصة على الأنشطة الزراعية وفق قانون التأمين الجديد وهو قانون التأمين الموحَّد رقم 155 لسنة 2024.
وحسب بيان رسمي لمجلس الوزراء المصري فإن الحكومة تستهدف إتاحة 90 مليار جنيه تسهيلات تمويلية للقطاعات الصناعية والزراعية والطاقة المتجددة بفائدة لا تتجاوز 15? خلال العام المالي الحالي.
وأوضح الدكتور أحمد رستم وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية أن خطة التنمية للعام المالي المقبل تستهدف تحقيق معدل نمو متوسطه من 5.2% إلى 5.4%، مع زيادته إلى 6.8% بنهاية الخطة متوسطة المدى (2029/2030).
ونوه إلى أن معدلات النمو الحالية تعد تأكيدًا للانعكاس الإيجابي لقرارات الإصلاح الاقتصادي على القطاعات الإنتاجية والخدمية؛ حيث تسهم 5 قطاعات للاقتصاد الحقيقي بنحو 64% في النمو الاقتصادي المستهدف خلال العام المالي 2026/2027، وتتصدر الصناعات التحويلية المساهمة في النمو بنسبة 29%، يليها قطاع تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 11.3%، ثم السياحة بنسبة 9.3%، والتشييد والبناء بنسبة 7.2%، والزراعة بنسبة 7%.