آراب فاينانس: تسود حالة من الغموض حول مصير الاتفاق الأمريكي الإيراني، حيث يترقب العديد من رجال المال والمستثمرين الموقف حيال هذا الاتفاق، لما له من تأثيرات اقتصادية على المنطقة والعالم ككل.
فبينما اعتبر خبراء اقتصاديون، أن بوادر انفراج للأزمة تحلق في الأفق بما سيكون له آثار إيجابية على الاقتصاد المصري، أكد أخرون أنه لايزال الموقف يتسم بالضبابية، وأن مؤشرات التحسن الاقتصادي في مصر نتيجة استقرار حركة الملاحة عبر قناة السويس بعد استقرار أمن البحر الأحمر، ستستغرق مزيد من الوقت، كما يحتاج تخفيف الضغوط على أسواق النفط وعودة سلاسل الإمداد لطبيعتها فترة لن تقل عن ستة أشهر.
مزايا الاتفاق للاقتصاد المصري
من جانبه قال الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي والمصرفي، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن الاتفاق الأمريكي الإيراني إذا فُرض وكُتب له النجاح والاستمرار، فإن هذا سوف يمثل نقطة تحول فاصلة في المشهد الاقتصادي الإقليمي، وقد يجعل للاقتصاد المصري مجموعة من الفرص الواعدة تتراوح بين انخفاض تكاليف الطاقة وتحسن إيرادات قناة السويس، وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي، إلا أن تحقيق هذه المكاسب سيظل مرهونًا بقدرة مصر على التحرك السريع وضرورة القيام بالإسراع فى تطوير البنية التكنولوجية للسوق، والتحديث الرقمي لتعزيز تنافسية اقتصادها واستثمار المتغيرات الإقليمية لصالح أهداف التنمية المستدامة.
وأضاف العسيلي، أن المكسب الحقيقي لمصر لن يكون فقط في انخفاض أسعار النفط أو زيادة إيرادات قناة السويس، بل في استغلال حالة الهدوء الإقليمي المتوقعة لإطلاق مرحلة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، فالتجارب الدولية تؤكد أن الدول التي تحقق أكبر استفادة من التحولات الجيوسياسية ليست بالضرورة تلك التي تقع في قلب الأحداث، بل تلك التي تمتلك رؤية واضحة وقدرة سريعة على تحويل المتغيرات الخارجية إلى فرص تنموية حقيقية.
تأثير الاتفاق على الأسواق
بينما شدد الدكتور عز الدين حسانين الخبير الاقتصادي على أنه بمجرد الإعلان عن اتفاق وشيك بين أمريكا وإيران انخفضت أسعار خام برنت وهو ما يوضح العلاقة بين أسعار الطاقة وبين التغيرات والتوترات الجيوسياسية.
وأضاف حسانين أن الاتفاق سيدعم أيضًا انخفاض بعض السلع الغذائية مثل القمح الذي يعد محصول رئيسي لمصر حيث تعتبر مصر من أكبر مستوردي القمح حول العالم.
يتفق معه العسيلي، موضحًا أن تحسن العلاقات الدولية مع إيران من المفروض أن يؤدي إلى تنشيط حركة التجارة الإقليمية وفتح أسواق جديدة أمام العديد من القطاعات الاقتصادية، وأن يُمكن الشركات المصرية أن تستفيد بصورة غير مباشرة من هذه التطورات عن طريق زيادة صادرات مواد البناء والمنتجات الغذائية والخدمات الهندسية، إضافة إلى تنشيط عمليات إعادة التصدير والخدمات اللوجستية المرتبطة بالموانئ المصرية. كما أن استقرار الممرات البحرية العالمية من شأنه أن يخفف الضغوط الواقعة على سلاسل الإمداد الدولية، وهو ما قد يساهم في استقرار أسعار القمح والحبوب ومدخلات الإنتاج الصناعية، وهي سلع تمثل أهمية استراتيجية للاقتصاد المصري وللأمن الغذائي الوطني.
التأثيرات السلبية لاتزال تخيم على الاقتصاد العالمي
في حين يرى الدكتور مصطفى بدرة، أستاذ التمويل والاستثمار، أن الصورة لاتزال غير واضحة، وهناك عدم وضوح للرؤية بشأن نجاح الاتفاقية الأمريكية الإيرانية في ظل التطورات الأخيرة منها على سبيل المثال الارتفاع في أسعار برميل البترول، حيث يؤثر ارتفاع سعره على الأسواق حول العالم، كما لايزال هناك تأثير لهذه الحرب على سلاسل الإمداد، إلى جانب احتجاز عدد كبير من السفن داخل مضيق هرمز لافتًا إلى أن التوترات بالمنطقة ماتزال مستمرة ومنها ضرب إيران لمطار الكويت مؤخرًا.
وأوضح بدرة، أنه في حالة نجاح الاتفاق بين الجانبين فستظل تأثيراته السلبية على الاقتصاد قائمة لفترة لن تقل عن ستة أشهر، وذلك لحين عودة سلاسل الإمداد لطبيعتها، واستقرار الملاحة بمضيق باب المندب، لينعكس ذلك في النهاية على خطوط الملاحة الدولية لقناة السويس، مع تحسن قيمة الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، وزيادة النشاط السياحي.
وأكد بدرة أن الحكومة المصرية اتخذت العديد من الإجراءات لمواجهة تداعيات هذه الحرب منها تشكيل لجنة لإدارة الأزمات حيث قامت بترشيد الكهرباء، ورفعت أسعار الوقود، وخصصت يومًا للعمل عن بُعد لتخفيض استهلاك الوقود والكهرباء. كما اتخذت الحكومة قرارًا بإغلاق المحال مبكرًا لترشيد الطاقة ثم تراجعت عنه، لتحسين النشاط السياحي. كما اتخذت قرارات تتعلق بعدم زيادة المشروعات إلا بعد انتهاء تداعيات هذه الحرب.
وكانت الحكومة المصرية اتخذت عدد من الإجراءات لمواجهة تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية منها الإبطاء الكامل للمشروعات الكبرى الجاري تنفيذها وكثيفة الاستهلاك للسولار والبنزين لمدة شهرين على الأقل، مع خفض مخصصات الوقود للسيارات والمركبات الحكومية بنسبة 30%، وذلك من أجل خفض فاتورة استهلاك الوقود، وذلك وفق تصريحات رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي.
وذكرت وزارة المالية، أن تقديرات دعم المواد البترولية بمشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026 /2027 بلغت نحو 15.840 مليار جنيه مقابل 75.033 مليار جنيه بموازنة 2025 /2026، بخفض قدره نحو 59.139 مليار جنيه بنسبة 78.9%. %.
وأوضحت الوزارة، في البيان المالي عن مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026 /2027، أن هذا الدعم يمثل ما تتحمله الخزانة العامة للدولة نتيجة بيع بعض المنتجات البترولية بأسعار تقل عن تكلفة توافرها للسوق المحلي سواء عن طريق الإنتاج المحلي أو استيراد بعضها من الخارج، بالإضافة إلى قيمة دعم أنبوبة البوتاجاز والمازوت للمخابز، فضلا عن تخصيص نحو 25 مليار جنيه ويمثل قيمة ما تتحمله الخزانة العامة من ضرائب على المنتجات البترولية.
وفيما يتعلق بتأثير النتائج المحتملة لأي اتفاق أمريكي إيراني على الأسعار العالمية للنفط أكد العسيلي أن ذلك الاتفاق سيؤدي إلى عودة جزء مُعتبر من الصادرات النفطية الإيرانية إلى الأسواق العالمية، ومن المعروف أن العقوبات الغربية المفروضة على إيران خلال السنوات الماضية حدّت من قدرتها على تصدير النفط بكامل طاقتها الإنتاجية، وهو ما ساهم في تقليص المعروض العالمي، ودعم الأسعار عند مستويات مرتفعة، أما إذا تم رفع هذه القيود أو تخفيفها على الأقل، فإن الأسواق قد تستقبل ملايين البراميل الإضافية يوميًا، وهو ما قد يؤدي بالتالى إلى تخفيف حدة الضغط على أسعار خام برنت.
وأضاف أن ضخ البترول الإيراني في السوق العالمي سينعكس بالطبع على الاقتصاد المصري من خلال التخفيف من أعباء نفقات استيراد المنتجات البترولية، وسيمنح الموازنة العامة مساحة أكبر لإعادة توجيه الموارد نحو التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، كما يساهم في تقليص تكاليف الإنتاج والنقل، الأمر الذي ينعكس تدريجيًا على أسعار السلع والخدمات وبالتالى على رضا المواطن.
كيف ستنعكس إذن تلك الاتفاقية على التضخم وارتفاع الأسعار في مصر؟ يوضح العسيلي بأن العلاقة بين انخفاض أسعار النفط وتراجع التضخم ليست علاقة مباشرة أو مطلقة، فالتضخم في مصر خلال السنوات الأخيرة لم يكن مدفوعًا بالطاقة وحدها، بل تأثر كذلك بتحركات سعر الصرف وارتفاع تكاليف التمويل وزيادة تكلفة الاستيراد، لذلك فإن أي تراجع في أسعار الطاقة من شأنه أن يساعد في تخفيف الضغوط التضخمية، لكنه لن يكون العامل الوحيد الحاسم في تحديد المسار المستقبلي للأسعاروالذى يأمله المواطن.
ورفع البنك المركزي المصري تقديراته لمعدلات التضخم خلال العامين الحالي والمقبل بسبب الحرب الإيرانية وتوترات المنطقة.
وتوقع "المركزي" ارتفاع متوسط معدلات التضخم في عام 2026 إلى ما بين 16% و17%، مقابل 11% في توقعاته السابقة، كما توقع البنك أن يصل معدل التضخم في مصر إلى ما بين 12% و13% في عام 2027، بدلاً من 8% في توقعاته السابقة.
وعلى جانب آخر، والذى لا يقل أهمية عن سابقه، وفق العسيلي فقد يكون المستفيد الأكبر من نجاح الاتفاق هو قطاع النقل البحري العالمي، فالتوترات الإقليمية المتصاعدة خلال الفترة الأخيرة، وخاصة في محيط البحر الأحمر ومضيق باب المندب، دفعت العديد من شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، وهو ما أدى إلى تراجع ملحوظ في حركة السفن المارة عبر قناة السويس وخسارة جزء مهام جدًا ومؤثر من الإيرادات الدولارية.
لكن ورغم ذلك توضح البيانات الحديثة للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن إيرادات قناة السويس ارتفعت خلال شهر أبريل الماضي بنسبة 25% على أساس سنوي لتسجل أعلى مستوى منذ شهر فبراير 2024، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وسجلت إيرادات قناة السويس 413.5 مليون دولار خلال أبريل الماضي، مع زيادة الاعتماد على القناة في المسارات البديلة لمضيق هرمز شبه المغلق بسبب حرب إيران.
وتتوقع مصر ارتفاع إيرادات قناة السويس بنسبة 47% خلال العام المالي الحالي لتصل إلى 5.6 مليار دولار، مقابل 3.8 مليار دولار في العام المالي الماضي، ومن المتوقع ارتفاع إيرادات القناة إلى 6.7 مليار دولار في العام المالي المقبل، و7.7 مليار دولار في العام المالي التالي، ثم 9 مليارات دولار في العام المالي 2028/ 2029، بحسب خطة التنمية الاقتصادية.
ينبغي اتخاذ إجراءات تحوطية خلال الفترة المقبلة
بينما يرى الدكتور عمرو جبر الخبير الاقتصادي أنه ينبغي أن تقوم الحكومة بعدد من الإجراءات التحوطية خلال الفترة المقبلة للاستفادة من تداعيات هذه الأزمة في المستقبل مثل زيادة الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الأساسية خلال فترات انخفاض الأسعار، وكذلك تعزيز برامج التحوط ضد تقلبات أسعار السلع والطاقة، مع استغلال أي انخفاض في أسعار الطاقة لتعزيز الاستقرار المالي، فضلًا عن تسريع تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية، إلى جانب جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاعات الإنتاجية.
وشدد جبر على أهمية دعم القطاعات التصديرية ذات القيمة المضافة المرتفعة، متوقعًا ضخ الصناديق السيادية الخليجية والمؤسسات الاستثمارية الغربية المزيد من الاستثمارات في مصر بعد عودة الاستقرار للمنطقة، كما رجح أن تستفيد قطاعات البنية التحتية والطاقة المتجددة والصناعة والخدمات اللوجستية والعقارات من هذا التحسن، خاصة في ظل ما تمتلكه مصر من سوق كبيرة وموقع جغرافي استراتيجي.
وتستهدف مصر جذب استثمارات بقيمة تصل إلى 4.1 تريليون جنيه (حوالي 77.5 مليار دولار) إلى 7 مناطق استثمارية كبرى قيد الإنشاء على مدار ما يصل إلى 20 عامًا، بحسب بيان أصدره مجلس الوزراء عقب اجتماع بين رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير الاستثمار الدكتور محمد فريد.
وسجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر خلال النصف الأول من العام المالي الجاري نحو 6 مليارات دولار، مقابل 5.5 مليار دولار في الفترة نفسها من العام المالي الماضي.