آراب فاينانس: يعد مشروع إنشاء مركز إقليمي للحبوب بين مصر وروسيا من المشاريع الطموحة التي أعلن عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لروسيا، وذلك في ظل تقلبات سوق الغذاء العالمي.
وتعكس تلك الخطوة عمق التحالف الاقتصادي بين القاهرة وموسكو حيث يستهدف المشروع الجديد إنشاء مركز لوجستي عالمي للحبوب والطاقة على الأراضي المصرية، ليحول مصر إلى منصة انطلاق رئيسية لإعادة تصدير القمح الروسي إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، مستفيدًا من الموقع الجغرافي المميز لقناة السويس والبنية التحتية المتطورة للصوامع المصرية.
ويرى الخبراء، أن المشروع لا يستهدف فقط تأمين احتياجات مصر الاستراتيجية، بل يسعى لترسيخ مكانة القاهرة كـ "مستودع للغذاء" في القارة السمراء عبر توطين صناعة الصوامع واستغلال تكنولوجيا التخزين الروسية.
مركز الحبوب الإقليمي يحمي مصر من التقلبات السعرية
من جانبه قال الدكتور شريف فياض، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمركز بحوث الصحراء التابع لوزارة الزراعة في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن وجود مركز إقليمي للحبوب الروسية في مصر يحميها من التقلبات في الأسعار العالمية ببورصات القمح. كما يحافظ على توزان الأسعار في ظل الاضطرابات والحروب التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط، والتي ساهمت في رفع أسعار البترول، وتكاليف النقل للسلع والمنتجات المختلفة ومنها الحبوب، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين للنقل البحري.
وأضاف فياض أن روسيا تعد لاعب رئيسي في سوق الحبوب العالمية وتعتبر من الدول المهمة جدًا التي تحصل مصر من خلالها على القمح حيث تعد مصر ثاني أكبر مستورد للقمح على مستوى العالم لافتًا إلى أن وجود مثل هذا المركز الإقليمي للحبوب في مصر يتيح لها تأمين احتياجاتها من القمح وباقي الحبوب الأخرى مثل الذرة وغيرها، كما يسمح بالحصول على الحبوب بأسعار تفضيلية ومسبقة خاصة أن القمح الروسي يعد من الأقماح الرخيصة على مستوى العالم، وبالتالي ستكون أسعار القمح التي ستشتريها مصر من روسيا في حدود التداول بالسوق العالمية.
وخلال السنوات الخمس الماضية كان أبرز موردي القمح لمصر هي روسيا بنحو 39.5 مليون طن والاتحاد الأوروبي 9.9 مليون طن وأوكرانيا 9.3 مليون طن حسب بيانات وزارة الزراعة الأمريكية.
وخلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026، استوردت مصر نحو 9.7 مليون طن من القمح، جاءت أبرزها من روسيا ثم أوكرانيا والاتحاد الأوروبي.
وتابع فياض أن من مزايا هذا المركز الإقليمي للحبوب هو الاستقرار الغذائي وتجنب تقلبات الأسعار الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة، وكذلك الاستقلال بالقرار المصري عن مناطق عدة حول العالم كانت تستورد منها مصر القمح مثل أوكرانيا التي لديها العديد من المشكلات اللوجيستية نتيجة الحرب هناك.
يجب تقديم قيمة مضافة للحبوب
ويرى الدكتور يحيى متولي خليل، أستاذ الاقتصاد الزراعي بالمركز القومي للبحوث أن المشروع يساهم في دعم الأمن الغذائي المصري. كما يمكن تصدير الزيوت أيضًا لأفريقيا وبعض دول الشرق الأوسط مع إمكانية الاستفادة من حبوب الذرة وإقامة مراكز لإنتاج الزيوت منها حيث تعاني مصر من فجوة في إنتاج الزيوت تصل لنحو 90%، إلى جانب إمكانية إنتاج الأعلاف وإعادة تصديرها للسوق الأفريقية.
وأوضح خليل، أنه من الضروري خلال توقيع الاتفاق بين مصر وروسيا على تدشين مركز إقليمي للحبوب أن يكون هناك عمل بمبدأ "الأولوية للدولة المضيفة" في أوقات الندرة.
ويتفق فياض مع خليل على ضرورة تقديم قيمة مضافة للحبوب من خلال تدشين مطاحن عالية الجودة بهذا المراكز الإقليمي للحبوب لتقديم قيمة مضافة وتصدير القمح كدقيق بدلًا من تصديره كمادة خام لأفريقيا، ومصر لديها قدرات كبيرة في مجال الطحن، ويمكنها استغلال بنيتها التحتية لتقديم قيمة مضافة للحبوب وإعادة تصديرها.
ويشير فياض إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من إغلاق مضيق هرمز ساهم في ارتفاع أسعار النفط حيث تجاوز سعر البرميل 100 دولار، ووجود مثل هذا المركز في مصر يعد خطوة جيدة وذكية من جانب الحكومة المصرية، حيث يساهم في زيادة الإتاحة من الحبوب داخل البلاد، كأحد محاور الأمن الغذائي الهامة، كما يساهم بشكل كبير في استدامة الحبوب خاصة القمح وعدم تأثرها بالتقلبات العالمية.
ووضعت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي المصرية خطة استباقية عقب التصعيد الأخير في الشرق الأوسط شملت بدائل لوجستية، وفتح مسارات تجارية، وتعزيز التنسيق مع سلاسل الإمداد للحفاظ على استقرار الأسواق.
وحسب بيان رسمي للوزارة فقد أعلنت عن أن هدفها هو حماية مصالح المزارعين والمصدرين واستمرار وصول المنتجات المصرية لكل الأسواق العالمية مهما كانت التحديات.
وأكد فياض أنه في ذات الوقت ستستفيد روسيا من هذا المركز الإقليمي للحبوب داخل مصر حيث يمكنها التصدير للدول الأفريقية من خلال موقع مصر الجغرافي المميز، كما يسمح لها بالتخفيف من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من أمريكا والاتحاد الأوروبي، ويتيح لها أيضا تسويق منتجاتها والحصول على مزيد من النقد والعملات الأجنبية بما يساعد على حل أزمتها الاقتصادية نتيجة الحصار الاقتصادي المفروض عليها من جانب الدول الغربية وأمريكا.
استغلال تجمع البريكس
وأكد أن مصر وروسيا والصين والبرازيل والهند هما أعضاء في تجمع دول البريكس، وكان هناك اقتراح باستخدام العملات بين دول التجمع في التعامل التجاري مثل الروبل الروسي أو اليوان الصيني أو الريال البرازيلي أو الروبية الهندية لتخفيف الضغط على الطلب المصري على الدولار وتنويع سلة العملات، وسيكون ذلك مهم جدًا لمصر، خاصة مع إمكانية تأثر الحاصلات الدولارية من التصدير نتيجة الاضطرابات والحرب الحالية بالمنطقة.
وبحسب بيانات وزارة الزراعة الأمريكية فإن مصر تعطي أولوية للتوريد الأقل تكلفة، وتعتمد بدرجة كبيرة على القمح القادم من روسيا وأوكرانيا، إذ يتميز بأسعار تنافسية وتكاليف شحن أقل وسرعة وصول إلى الموانئ المصرية مقارنة بالموردين الآخرين.
ووفق ذات البيانات تُقدر واردات مصر من القمح في موسم الجديد 2026/2027 بنحو 13.77 مليون طن بانخفاض ما يقارب 1.6% عن الموسم الحالي، وذلك نتيجة زيادة الإنتاج المحلي.
وحول القدرات المتعلقة بالبنية التحتية المصرية وقدرتها التخزينية والاستيعابية على تخزين القمح والحبوب الأخرى أضاف فياض أن مصر حققت طفرة كبيرة في إنشاء صوامع تخزين الحبوب خلال العشر سنوات الماضية، وبقدرات تكنولوجية عالية لهذه الصوامع، إلى جانب قيام مصر بتطوير موانئ التصدير مثل موانئ العين السخنة وبور سعيد والإسكندرية ودمياط، حيث ستساهم تلك العوامل على رفع قدرات مصر التصديرية حيث يمكن استغلال انضمام مصر كعضو باتفاقية الكوميسا مع دول شرق أفريقيا، للتصدير لأفريقيا بدون تعريفة جمركية وإن كان ذلك سيحتاج لتطوير البنية التحتية للطرق، وربطها مع الدول الأفريقية، إلى جانب إقامة خطوط ملاحية مع أفريقيا.
ينبغي الاستفادة من التجربة الهندية في إنشاء صوامع التخزين
بينما قال الدكتور إسماعيل عبد الجليل، رئيس مركز بحوث الصحراء الأسبق بوزارة الزراعة، أنه ينبغي الاستفادة من التجربة الهندية في إنشاء الصوامع تحت الأرض حيث تستهلك طاقة أقل وكذلك تكلفة منخفضة السعر مقارنة بالصوامع التي يتم إنشائها على سطح الأرض.
وأضاف عبد الجليل، أن المشروع يعد خطوة جيدة خاصة أن مصر من المناطق الجافة وبالتالي نسب الرطوبة بها منخفضة بما يسمح بالتخزين الجيد والتفريغ بسهولة.
ووفق بيان حديث صادر عن مجلس الوزراء المصري فإنه منذ عام 2014، شهدت منظومة الصوامع توسعًا كبيرًا، حيث ارتفعت سعة التخزين من 1.2 مليون طن إلى 3.4 مليون طن في 2025، وذلك من خلال زيادة عدد الصوامع إلى 81 صومعة مقارنة بـ 35 صومعة سابقًا.
وحسب ذات البيان تستكمل وزارة التموين جهودها في إنشاء صوامع جديدة، حيث من المتوقع تشغيل 6 صوامع جديدة في موسم الحصاد القادم، تكلفة بناء الصومعة الواحدة بسعة 60 ألف طن تقدر بنحو 68 مليون جنيه، بينما تصل تكلفة الصومعة ذات السعة 90 ألف طن إلى 300 مليون جنيه.
ومن جانبه أكد علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي على موافقة الحكومة في اجتماعها الأخير الأربعاء الماضي، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، برفع سعر توريد أردب القمح إلى 2500 جنيه، وهو زيادة عن السعر العالمي، مما يعكس حرص الدولة الكامل لدعم الفلاح المصري، حيث توليه اهتمامًا كبيرًا باعتباره العمود الفقري لتحقيق الأمن الغذائي، وخاصة في ظل الأزمات التي يمر بها العالم حاليًا.
وأوضح الوزير أن هذه الخطوة تمثل حافزًا قويًا لتشجيع مزارعي القمح، على توريد أكبر كمية من المحصول هذا العام، حيث تستهدف الحكومة هذا العام استلام نحو 5 مليون طن من القمح المحلي، لدعم صناعة رغيف الخبز، وتقليل فاتورة الاستيراد، في إطار خطة الدولة لتعزيز الأمن الغذائي.
وشهدت أسعار القمح ارتفاعات متتالية وفق بيانات مجلس الوزراء المصري حيث رفعت الحكومة سعر أردب القمح من 2200 جنيهًا في شهر مارس 2025 إلى 2350 جنيهًا في أغسطس 2025 ثم عاودت رفع السعر مرة أخرى إلى 2500 جنيهًا في أبريل 2026.