}

بعد الإعلان عن حزم التسهيلات.. كيف تحقق الحكومة العدالة الضريبية بين الممولين؟

أخر تحديث 2026/04/15 04:00:00 م
بعد الإعلان عن حزم التسهيلات.. كيف تحقق الحكومة العدالة الضريبية بين الممولين؟

آراب فاينانس: أطلقت الحكومة عدد من الحزم الضريبية للتسهيل على الممولين، وتشجيع الاستثمار إلى جانب ضم القطاع غير الرسمي للمنظومة الضريبية.

وحسب أحمد كجوك، وزير المالية، فإنه لن يكون هناك زيادة في الضرائب بالموازنة الجديدة، موضحًا أن الأولوية لتوسيع القاعدة الضريبية، باعتبارها مكسبًا للجميع، وأن العام المالي المقبل سيشهد إطلاق حزم أكثر لتشجيع الممولين الحاليين والجدد.

واعتبر خبراء في الاقتصاد والمالية العامة والضرائب أن حزم التسهيلات الضريبية التي أقرت مؤخرًا ستساهم في تحسين بيئة الأعمال، وستشجع على جذب مزيد من الممولين غير المشمولين ضمن المنظومة الضريبية، لكنهم شددوا على ضرورة وجود العدالة الضريبية بين الممولين ودافعي الضرائب على أن ينعكس ذلك في النهاية على الخدمات المقدمة للمواطنين.

يجب أن تتلاشى أزمة الثقة بين الحكومة ودافعي الضرائب

من جانبها قالت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية والمصرفية، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إنه لكي تشجع الحكومة ضم القطاع غير الرسمي للمنظومة الضريبية، ينبغي أن يكون هناك عدالة ضريبية بين الممولين، وأن تتلاشى أزمة الثقة بين الحكومة وبين دافعي الضرائب، مع التخلص من التقديرات الجزافية، التي يقوم بها بعض مأموري الضرائب، لأنها تخلق حالة من التوتر لدى الممولين خاصة مع الالتزامات المستمرة التي تخلقها هذه التقديرات الجزافية، وعدم قدرة النظام الحالي للضرائب على تقدير دخول الأفراد والشركات بشكل واضح مما يزيد من معاناة بعض دافعي الضرائب.

وأضافت الشافعي، أن القطاع غير الرسمي لا يدخل ضمن المنظومة الضريبية، وهى فئة كبيرة من مجتمع الأعمال في مصر، مشددة على أهمية التحول الرقمي مع توافر البنية التحتية المؤهلة لذلك لحصر الفئات التي ينبغي عليها تحمل الضرائب مع التخلص من التعامل النقدي الذي يسمح بحدوث التهرب الضريبي، ولا يسمح بالشفافية والحوكمة والعدالة الضريبية.

تلك الرؤية المتعلقة بتقليل الاعتماد على التعامل البشري والنقدي يتفق معها الدكتور أدهم البرماوي الأستاذ المساعد بقسم الاقتصاد والمالية العامة بالمعهد العالي للإدارة وتكنولوجيا المعلومات بكفر الشيخ حيث يشير إلى أنه وبالنظر إلى التجارب الدولية كنموذج إستونيا في الرقمنة أو البرازيل في تبسيط ضرائب المشروعات الصغيرة، نجد أن النجاح دائمًا ما يرتبط بمدى سهولة الإجراءات، إذ كلما قل التفاعل البشري المباشر وزادت الشفافية الرقمية، انخفضت معدلات الفساد والتهرب، وترسخت الثقة بين الدولة والمجتمع الضريبي.

يوضح البرماوي أن التحول الرقمي وربط منظومة المدفوعات يشكلان حجر الزاوية في تجفيف منابع التهرب، لافتًا إلى أن ربط "الفاتورة والإيصال الإلكتروني" بحسابات الممولين البنكية يخلق شبكة من "الرقابة المتبادلة"، حيث يضطر التاجر لإثبات مشترياته للحصول على خصم ضريبي، مما يجبر المورد على التسجيل. كما أن البيانات الضخمة الناتجة عن هذه المعاملات تمنح الدولة قدرة تنبؤية فائقة، مما يسمح باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتوجيه الفحص الضريبي بناءً على المخاطر فقط، وهو ما يرفع كفاءة التحصيل ويحمي الممول الملتزم من الفحص العشوائي المتكرر.

يجب تطوير مهارات الكوادر الضريبية

بينما يقول الدكتور عمرو جبر الخبير الاقتصادي إن تغيير الصورة الذهنية لمأمور الضرائب في مصر يتطلب تحولًا مؤسسيًا وثقافيًا يبدأ من تطوير مهارات الكوادر العاملة، خاصة في مجالات التواصل وخدمة العملاء. كما ينبغي التحول من أسلوب الرقابة الصارمة إلى تقديم الدعم والإرشاد للممولين، بما يساعدهم على الالتزام الطوعي.

وأضاف جبر، أنه لا يمكن إغفال الدور المتنامي للتكنولوجيا في دعم المنظومة الضريبية، خاصة من خلال ربطها بمنظومة المدفوعات الإلكترونية هذا الربط يسهم في تقليل التعاملات النقدية غير المرصودة، ويتيح تسجيلًا دقيقًا للمعاملات، بما يعزز الشفافية ويحد من التهرب الضريبي.

وفيما يخص القطاع غير الرسمي والمهن الناشئة وضمهما للمنظومة الرسمية للدولة يؤكد البرماوي أن الحل هنا لا يكمن في الملاحقة، بل في "هندسة التبسيط"، فالقطاعات الرقمية كصناع المحتوى والمستقلين يحتاجون إلى أطر ضريبية تتسق مع طبيعة عملهم العابرة للحدود، وذلك عبر تصميم نظام "الضريبة القطعية الموحدة"، وهذا النظام يعتمد على مبلغ مقطوع أو نسبة ثابتة بسيطة من إجمالي الإيراد السنوي دون اشتراط دفاتر محاسبية معقدة، مما يزيل "حاجز الخوف" لدى الشباب والمبتدئين ويجعل تكلفة الالتزام الضريبي أقل من تكلفة المخاطرة بالتهرب.

أما عن الحوافز والمزايا التفضيلية، التي يمكن منحها للقطاع غير الرسمي لتشجيعه للانضمام للمنظومة الضريبية فلابد هنا حسب البرماوي من الانتقال من فكرة الإعفاءات الضريبية التي ثبتت محدودية أثرها في جذب الاستثمار مقارنة باستقرار السياسات ومزايا الشمول حيث يجب أن يشعر الممول الجديد أن تسجيله الرسمي هو "تذكرة مرور" لمزايا ملموسة، مثل الحصول على تمويلات بنكية بفائدة منخفضة، والدخول في المناقصات الحكومية، والتمتع بالتغطية في منظومة التأمين الصحي الشامل، وهذه "المقايضة النفعية" هي ما يحول صورة مأمور الضرائب من "جامع للأموال" إلى "شريك في التنمية" يضمن استدامة المشروع وحمايته القانونية.

بينما تؤكد الشافعي، على ضرورة توافر نظام رقابي جيد يضمن حقوق الجانبين الدولة ودافعي الضرائب، وهو ما يستوجب إلغاء الإجراءات البيروقراطية، والتعامل بشكل فيه مساواة بين الجميع، مع ضرورة تفعيل القوانين مع جميع الفئات بما يحقق المنافسة العادلة والثقة في الحكومة والاقتصاد المصري، مع استقرار القوانين وعدم تغييرها مع كل حكومة جديدة، إلى جانب وضوح الإجراءات وتدشين غرفة لدعم المواطن تساهم في تقديم التسهيلات الضريبية بشكل دائم.

وتشير الشافعي لأهمية تنويع إيرادات الدولة حتى لا يكون الجزء الأكبر من موارد الدولة يعتمد على الضرائب خاصة الموارد الناتجة عن النشاطين الصناعي والزراعي، وزيادة التصدير من خلال دعم هذه الأنشطة ودراسة المزايا التنافسية في كل قطاع، مع التأكيد على ضرورة أن تنعكس الحصيلة الضريبية التي تجمعها الدولة في شكل خدمات صحية وتعليمية وغيرها بحيث يشعر بها المواطن.

ووفق التقرير الشهري لوزارة المالية الصادر في نهاية يناير الماضي تساهم الإيرادات الضريبية بنحو 87.2% من إجمالي الإيرادات العامة للدولة كما تساهم بنحو 5.8% من الناتج المحلى الإجمالي.

وأكدت الشافعي، في ختام حديثها أنه ينبغي أن تتحرك الحكومة لإدارة المخاطر المقبلة بدلًا من الاعتماد على إدارة الأزمات كرد فعل، وذلك من خلال التحوط والتخطيط المسبق للمشكلات قبل حدوثها بما يسمح بتقليل التكاليف والمصاريف التي تتكبدها موازنة الدولة، وحتى لا يتعرض الاقتصاد المصري لأزمات مثل أزمات الطاقة والنفط، وسداد الديون، مع وضع مؤشرات أداء للحكومة وتقييمها أولًا بأول لقياس مدى تحققها من عدمه.   

طرق توسيع القاعدة الضريبية

وحول كيفية توسيع القاعدة الضريبية يؤكد البرماوي أن عملية توسيع القاعدة الضريبية دون المساس بأسعار الضرائب المعلنة هي التحدي الأبرز للإدارة المالية الحديثة، حيث تبدأ هذه الاستراتيجية من إعادة تعريف الوعاء الضريبي ليشمل الأرباح الرأسمالية المحققة والضرائب النوعية على الأصول العقارية الكبرى غير المستغلة، وهذا التحول ينقل الثقل الضريبي من الأنشطة التشغيلية المرهقة للنمو إلى الثروات الراكدة، مما يساهم في ضخ سيولة جديدة في خزينة الدولة مع تحفيز أصحاب رؤوس الأموال على توظيف أصولهم في مشاريع إنتاجية بدلاً من الاكتناز.

وأخيرًا يرى البرماوي، أن استدامة المنظومة الضريبية تتطلب تطوير آليات فض المنازعات لتقليل التكدس القضائي، وذلك عبر تفعيل اللجان الداخلية، ومنحها صلاحيات أوسع للتسوية الودية بما يضمن حق الدولة فورًا، ويحفظ للممول استمرارية نشاطه.

ويستهدف مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2025/2026 تحقيق إيرادات ضريبية بنحو 2.654 تريليون جنيه، مقابل نحو 2.021 تريليون جنيه بموازنة 2024/2025، بزيادة قدرها 632.720 مليار جنيه بنسبة 31.3%.

وأشارت الوزارة في البيان المالي عن مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2025/2026، إلى أن تقديرات ضرائب الدخل بالموازنة الجديدة بلغت نحو 1.441 تريليون جنيه، مقارنة بنحو 1.119 تريليون جنيه بموازنة 2024/2025، بزيادة قدرها 321.219 مليار جنيه بنسبة 28.7%.

 

 

أخبار مشابهة