آراب فاينانس: فرضت الرسوم الجمركية الأمريكية، واقعًا جديدًا على الواردت المصرية للولايات المتحدة بعد فرض هذه الرسوم بنحو 12.5%، ليضع القطاعات التصديرية في مصر أمام اختبارٍ جديد يتزامن مع ضغوط اقتصادية متزايدة، وبينما تمثل هذه النسبة زيادة فعلية قدرها 2.5% مقارنة بالرسم المؤقت السابق (10%)، ينقسم الخبراء والصناع بين من يرى فيها عبئًا جديدًا يُقلص هوامش أرباح قطاعات حيوية كالنسيج والملابس الجاهزة، ومن يراهن على تفضيلات اتفاقية "الكويز" واستثناءات السلع الاستراتيجية للحفاظ على تنافسية المنتج المصري داخل أروقة أكبر أسواق العالم.
وتصاعدت المخاوف لدى مجتمع الأعمال المصري إثر إدراج واشنطن لمصر ضمن قائمة ضمت 60 دولة أُخضعت للشرائح الجمركية الأعلى بنسبة 12.5% بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأمريكي.هذا التغير التنفيذي الذي جاء بذريعة مراجعات معايير سلاسل التوريد والعمل لا يحمل فقط أرقامًا جمركية مجردة، بل يضع صانع القرار الاقتصادي في القاهرة أمام حتمية الموازنة بين حماية حصص الصادرات المصرية في السوق الأمريكية واستيعاب تكاليف الشحن والتمويل المتزايدة.
أكثر القطاعات تأثرًا بالقرار الأمريكي
من جانبه قال محمد قاسم، رئيس مجلس إدارة جمعية المصدرين المصريين، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن أكثر القطاعات تأثرًا بهذا القرار هو قطاع تصدير الملابس الجاهزة في مصر، لأنه يمثل أحد أكبر البنود التصديرية للولايات المتحدة الأمريكية، منوهًا بأنه لا يوجد مبرر موضوعي لفرض هذه الرسوم على الواردات المصرية من جانب أمريكا خاصة أنها فرضته على عدد محدود من الدول لا يتعدى 60 دولة، بل هناك دول لها نفس الظروف ومنافسة لمصر في قطاع التصدير لم تفرض عليها هذه التعريفة الجمركية الجديدة، وبالتالي مصر سيكون موقفها التنافسي أضعف من هذه الدول نتيجة ارتفاع التكاليف المحملة على المنتج النهائي نتيجة هذه الرسوم المالية الجديدة.
وأكد قاسم أن فرض مثل هذه الرسوم الجمركية يمكن أن يؤثر على العائد من الحصيلة الدولارية من الصادرات، مضيفًا أن ما يحدث في أمريكا حاليًا من سياسات تجارية غير مألوفة هو وضع غير دائم وغير مستقر، ولن يدوم كثيرًا.
في حين اعتبر الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، أن الصادرات المصرية ليست في خطر داهم ومباشر نتيجة لهذا القرار وذلك بفضل المظلة الحمائية لاتفاقية الكويز والاستثناءات القطاعية الممنوحة؛ إلا أن الواقع الاقتصادي العالمى يفرض علينا ألا ننظر تحت أقدامنا، وأن نكون على يقين أن الشريك التجاري الذي يستغل القيود الجمركية ويضعها كأداة للضغط السياسي والاقتصادي، ما إلا هو شريك لا يمكن الثقة به أو ضمان تقلباته المزاجية في المستقبل، وبالتالي فالدرس الحقيقي من قرار الـ 12.5% ليس في حجم الخسارة الحالية، بل في ضرورة التحرر من أسر "السوق الواحد"، موضحًا أن صياغة بدائل تسويقية مرنة والتوجه بقوة نحو القارة السمراء وتكتل بريكس لم يعد رفاهية، بل هو طوق النجاة الوحيد لضمان استدامة النمو الاقتصادي المصري في عالم لا يعترف إلا بالقوي.
ينبغي تنويع الأسواق
وتوقع قاسم اعتراض عدد من رجال الأعمال الأمريكيين والممارسين للعمل التجاري في الولايات المتحدة الأمريكية على هذا القرار بالمحكمة الدستورية الأمريكية، مثل العديد من القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية، وتم الطعن عليها.
وبينما يرى قاسم أن القرار غير مبرر ولا يوجد له سبب قوي لفرضه على مصر يقول العسيلي إن واشنطن تذرعت بتحقيقات بتقاعس الدول المستهدفة عن سن قوانين صارمة تحظر المنتجات القائمة على "العمل القسري". وبناءً عليه، قُسمت الدول إلى شريحتين، الأولى شريحة الـ 10% للدول التى تمتلك يمتلكون أطرًا لمكافحة هذا العمل، والشريحة الأخرى صاحبة الـ 12.5% والتي أُدرجت ضمنها مصر إلى جانب قوى تصنيعية كبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية.
وأضاف العسيلي أن التلويح الأمريكي المستمر بورقة الجمارك يحتم على صانع القرار الاقتصادي في مصر القيام بتسريع استراتيجية "تنويع الأسواق"، والدخول لأسواق بديلة واعدة تمتلك قدرة استيعابية ضخمة يمكنها تعويض أي تراجع في السوق الأمريكية والتى من أهمها وأقواها الصين، ومجموعة دول "بريكس"بعد انضمام مصر للمجموعة، حيث أصبحت أسواق روسيا، والهند، والبرازيل، وجنوب إفريقيا بدائل مثالية لتبادل السلع والمنتجات بعيدًا عن قيود الدولار والقرارات الحمائية الفردية.
وأكد المهندس علي عيسى، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، على أن القرار سيؤثر بالطبع على الصادرات المصرية للولايات المتحدة الأمريكية خاصة أن القرار اختص دول دون غيرها، وهو ما سيؤثر على تنافسية المنتج المصري نتيجة ارتفاع التكاليف للمنتجات والبضائع المصرية مقارنة بالسلع الأخرى بالأسواق الأمريكية التي لم يفرض عليها رسوم جمركية، وهنا يوجد عدم تكافؤ في الفرصحالة من عدم تكافؤ في الفرص بين المنتجات المصرية وبعض المنتجات المنافسة التي لم تفرض عليها رسوم جمركية مماثلة لافتًا إلى أن اتفاقية الكويز الحالية والموقعة مع الولايات المتحدة الأمريكية تعطي مزايا الإعفاء الجمركي للملابس الجاهزة المصرية منوهًا بأنه من غير المعلوم حتى الآن سريان اتفاقية الكويز على الملابس الجاهزة من عدمه بعد فرض الرسوم الجمركية الجديدة.
ومن جانبه علق الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، في تصريحات إعلامية على قرار الولايات المتحدة الأمريكية زيادة الرسوم الجمركية المفروضة على السلع المصرية قائلًا: إن أي رسوم جمركية تؤثر بطبيعة الحال على الصادرات، لافتًا إلى أن السياسات الحمائية لم تعد تقتصر على الولايات المتحدة، بل أصبحت اتجاهًا تتبناه العديد من الاقتصادات الكبرى.
وأضاف فريد، أن الحكومة تتابع التطورات المتسارعة في السياسات التجارية العالمية، وتتعامل معها بصورة علمية ودقيقة بالتنسيق مع مختلف الشركاء التجاريين، بما يحافظ على تنافسية الصادرات المصرية ويحد من تأثير تلك المتغيرات.
ويمكن وفق العسيلي التوجه نحو أسواق الاتحاد الأوروبي والدول العربية من خلال تفعيل أكبر لاتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية، وتوسيع التبادل مع الأسواق العربية الشقيقة التي تشهد طفرة استهلاكية وعمرانية كبرى.
ويتفق الدكتور رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية مع رؤية العسيلي في ضرورة تنويع الأسواق والبحث عن أسواق بديلة عن الأسواق الأمريكية حتى لا تتأثر الصادرات المصرية، مع وجود مرونة في فتح منافذ جديدة للتصدير مع تفعيل الاتفاقيات التجارية والتوسع في التصدير مع دول البريكس والاتحاد الأوروبي وأفريقيا مشيرًا إلى أنه من المتوقع أن تقوم دول كبرى مثل الصين باتخاذ قرارات مماثلة بفرض تعريقات جمركية على الواردات الأمريكية.
ووفقًا لنشرة العلاقات الاقتصادية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية لعام 2025 فقد بلغت قيمة الصادرات المصرية إلى الولايات المـتحـدة الامريكية 2.7 مليار دولار عام 2025 وتمثل 5.2% من صادرات مصـر للعالم مقابل 2.3 مليار دولار عام 2024 بنسبة زيادة قدرها 19.9%.
وجاءت الصادرات من الملابس الجاهزة فى المرتبة الأولى بنسبـة 48.7% مـن إجمالي الصادرات للولايات المتحدة الأمريكية حيــث بلغــت 1.3 مليــار دولار عـــام 2025 مقابــــل 1.2 مليار دولار عام 2024 بنسبة زيادة قدرها 11.4%، بينما تتنوع باقي النسبة لمنتجات تشمل الأسمدة، والحديد والصلب، والسجاد، والخضروات والفواكه المعلبة.
وحسب خالد هاشم وزير الصناعة فإن رؤية وزارة الصناعة لعام 2030 تستهدف زيادة الصادرات غير البترولية إلى 100 مليار دولار، من خلال بناء استراتيجية صناعية شاملة، قائمة على منهجية في تحديد القطاعات ذات الأولوية، بهدف إيجاد قاعدة صناعية قوية ومُتكاملة، ذات تنافسية إقليميًا وعالميًا، لوضع مصر في مركزٍ رائد على خارطة سلاسل القيمة العالمية.