}

المعايير الناجحة لبرنامج اقتصادي وطني بعد انتهاء مراجعة صندوق النقد في مصر

أخر تحديث 2026/07/13 08:48:00 ص
المعايير الناجحة لبرنامج اقتصادي وطني بعد انتهاء مراجعة صندوق النقد في مصر

آراب فاينانس: مع اقتراب المراجعات النهائية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، تتجه أنظار الخبراء وصناع القرار في مصر نحو صياغة ملامح البرنامج الاقتصادي الوطني الشامل للمرحلة المقبلة، وتأتي هذه التحركات مدفوعة بالرسائل التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، والتي شدد فيها على أهمية مراجعة وتكييف أي التزامات دولية إذا ما شكلت ضغطًا لا يتحمله المواطنين مؤكدًا على ضرورة الانتقال من مرحلة تثبيت الاستقرار إلى النمو المستدام. إذن ما هى معايير وضع برنامج شامل للاقتصاد المصري يعزز الإنتاج المحلي، ويراعي التحديات الإقليمية والدولية الراهنة، وقدرة المواطن على التحمل؟

خلال كلمته في افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الإدارية الجديدة، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، عن إصدار توجيهات للحكومة لإعداد برنامج اقتصادي وطني شامل، يبدأ عقب انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي ليكون برنامجًا مصريًا خالصًا، يستكمل ما تحقق من إصلاحات، وينتقل بالاقتصاد من مرحلة تثبيت الاستقرار، إلى مرحلة الانطلاق نحو النمو المستدام بما ينعكس بصورة مباشرة، على تحسين مستوى معيشة المواطنين، ويعزز قدرة الاقتصاد المصرى، على مواجهة المتغيرات وتحقيق التنمية الشاملة.

ملامح الانتقال من التمويل الخارجي إلى نموذج اقتصادي وطنى

من جانبه قال الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، إن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، جاءت للحكومة بإعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد التعاون مع صندوق النقد الدولي ويمثل ذلك لحظة فارقة في مسار الاقتصاد المصري، لأنها ترسم ملامح واضحة لقدرة الدولة على الانتقال من الاعتماد على التمويل الخارجي إلى نموذج اقتصادي مصرى وطنى آمن ومستقر، مشيرًا إلى أن من أهم ما أوصى به الرئيس هو توجيه الحكومة لإعداد برنامج لإصلاح الهيكل الإنتاجي للاقتصاد، وهو ما يتطلب حزمة متكاملة من الخطوات الجادة والمستدامة، وفي مقدمتها مكافحة الفساد الإداري والمالي بكل صوره وأشكاله، لأن الفساد لا يهدر المال العام فقط، بل يقتل الثقة، ويطرد الاستثمار، ويضعف كفاءة الإنفاق الحكومي، ويمثل محورًا رئيسيًا  لأي برنامج وطني قادم، فالدولة فى أمس الحاجة إلى اقتصاد ينتج ويُصدر، لأن كل دولار يتم توفيره من تقليص الواردات أو تحقيقه من زيادة  الصادرات يمثل أمانًا إقتصاديًا، خاصة بعد ما تخلصت الدولة إلى حد كبير من ضغوط صندوق النقد.

وأوضح العسيلي، أن تعافي الاقتصاد المصري بصورة مستدامة يعتمد فى المقام الأول على ما أوصى به الرئيس من  مكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة والشفافية، ودعم الصناعة الوطنية وزيادة المكون المحلي في الإنتاج، ومضاعفة الصادرات، وجذب الاستثمارات المباشرة، والتركيز على الاستثمار الفعال في رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب والتكنولوجيا.

ينبغي مراعاة محدودي الدخل خلال تنفيذ البرنامج الوطني

من جانبها قالت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية والمصرفية، في تصريحات حصرية لـ آراب فاينانس إن الرئيس عبد الفتاح السيسي في حديثه حول ضرورة وضع برنامج اقتصادي وطني تسير عليه الحكومة بعد برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، طالب بمراعاة المواطن البسيط ومحدود الدخل عند وضع هذا البرنامج، لأن هناك ضغوط كثيرة تواجه المواطن المصري من ارتفاع في معدلات التضخم، وزيادة الأسعار، خاصة الطبقات المتوسطة والفقيرة والأشد فقرًا.  

وأضافت الشافعي، أن وزارة المالية أعلنت مؤخرًا تحقيق فائض أولي، في الموازنة العامة للدولة لكن هذا الإعلان لم يراع الأخذ في الاعتبار خدمة الديون، وبالتالي فالأمر يحتاج لنوع من الشفافية والوضوح الكامل لتوضيح كيفية دعم المواطن المصري عبر هذا البرنامج الاقتصادي الوطني، وطبيعة المصدر المالي الذي سُيمول هذا الدعم للمواطن، خاصة مع التزام مصر ببرنامج لسداد الديون المستحقة حتى لا يؤثر ذلك على تصنيف مصر الإئتماني.

وبلغ إجمالي الدين الخارجي لمصر بنهاية العام 2025 نحو 163.9 مليار دولار، بينما بلغ إجمالي احتياطي النقد الأجنبي وفقاً لبيانات البنك المركزي المصري نحو 55,07 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي.

الأنشطة الاقتصادية المستهدفة لزيادة العوائد الدولارية

وتستهدف موازنة مصر للعام المالي الجديد 2026/2027 خفض أعباء الدين، من خلال تقليل الاحتياجات التمويلية لأجهزة الموازنة بنحو 10% من الناتج المحلي على المدى المتوسط، وكذلك خفض فاتورة خدمة الدين إلى نحو 35% من إجمالي مصروفات الموازنة، وتستهدف الموازنة إيرادات بنحو 4 تريليونات من الجنيه مقابل مصروفات متوقعة بنحو 5.1 تريليونات من الجنيه. 

وأكدت الشافعي أن هناك بعض الإجراءات الإيجابية التي حدثت خلال الفترة الأخيرة منها تنفيذ الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي والتي كانت قد أُبرمت خلال فترة وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية السابقة الدكتورة رانيا المشاط، منها القرض الذي من المقرر أن تحصل عليه مصر من الاتحاد الأوروبي خلال الأيام الجارية والذي يقدر بـ 1.5 مليار يورو نحو 1.72 مليار دولار وهي الشريحة الأولى من اثنتين متبقيتين من حزمة المساعدة المالية لدعم الاقتصاد الكلي ‌البالغة 5 مليارات يورو.

وتوضح الشافعي، أنه يجب توجيه الأولويات خلال الفترة المقبلة للأنشطة الاقتصادية التي تُدر عوائد دولارية، مع التركيز على الأنشطة الصناعية، والسياحية، والإنتاجية مشددة علي أهمية تحديد مدى القدرة على القيام بمشروعات تنموية جديدة في ظل المديونية الحالية.  

وأعلن البنك المركزي المصري خلال يوليو الجاري ارتفاع صافي احتياطيات مصر من النقد الأجنبي إلى 55.07 مليار دولار في شهر يونيو الماضي، مقابل 53.134 مليار دولار في شهر مايو الماضي، بزيادة بلغت 1.93 مليار دولار.

ووصل احتياطي النقد الأجنبي في مصر بنهاية يونيو 2026 إلى مستوى قياسي جديد، حيث أصبح الأعلى في تاريخ البلاد.

ويؤكد العسيلي أن زيادة مساهمة القطاع الخاص مع دمج الإقتصاد غير الرسمى فى الإقتصاد الرسمى أصبحت ضرورة ملحة حيث يضمن للدولة مصادر جديدة للدخل ليست بالهينة ولم تعد رفاهية اقتصادية خاصة أن التجارب العالمية تؤكد أن الحكومات تنظم وتراقب وتضع السياسات، بينما يقود القطاع الخاص النشاط الإنتاجي والتشغيلي، ويوفر فرص العمل، ويخلق القيمة المضافة.

وأكد العسيلي أن الإسراع فى  تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة وتوسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص في مختلف الأنشطة الاقتصادية يمثلان خطوة أساسية نحو بناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو الذاتي، وزيادة القدرة على جذب الاستثمار المحلي والأجنبي حيث لفت الرئيس السيسى  إلى أن إعادة هيكلة أولويات الإنفاق العام وترشيده يجب أن تكون من أهم ملامح المرحلة المقبلة، بحيث تتجه الموارد بصورة أكبر نحو التعليم، والصحة، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والتدريب المهني، باعتبارها الركائز الأساسية لأي اقتصاد حديث قادر على المنافسة. مع زيادة الناتج المحلي الإجمالي، ورفع معدلات النمو الحقيقي، وتعزيز التصدير والإنتاج، لأن الاقتصاد القادر على النمو والإنتاج يستطيع إدارة أعباء الدين بشكل أفضل من اقتصاد يعتمد على الاقتراض لتغطية احتياجاته، فإذا أحسنت الدولة استغلال الفرصة الحالية وتحويلها إلى برنامج وطني واضح للإنتاج والتصدير والاستثمار، فإن هذا سيعد بمثابة باعتبارها بداية لعصر جديد من الاعتماد على الذات والتنمية المستدامة.  

بينما توضح الدكتورة يمن الحماقي، رئيسة قسم الاقتصاد السابقة بجامعة عين شمس، أن البرنامج الاقتصادي الوطني يجب أن يحدد القطاعات الاقتصادية التي ينبغي أن تقود النمو في مصر، وهى بالطبع متمثلة في القطاع الصناعي كمحرك أساسي للنمو، إلى جانب التركيز على القطاعين الزراعي والتكنولوجي، مع تحقيق الاستقرار للاقتصاد الكلي لمصر.

خطط لمواجهة المديونية

وأضافت الحماقي، أن هذه الخطة المستندة على المحركات الثلاثة السابقة يجب أن تقوم على مواجهة المديونية الخارجية والداخلية، لأن أكبر تحدي يواجه الاقتصاد المصري هي المديونية. كما يجب وفق الحماقي مراعاة التنمية الاقتصادية المتوازنة جغرافيًا والتي تشمل جميع المحافظات المصرية، لافتة إلى أن نصف الناتج المحلي الإجمالي يخرج من 4 محافظات فقط وهذا يمثل خلل هيكلي عنيف يجب مراعاته مع التأكيد على أن يكون النمو الاقتصادي نموًا احتوائيًا، بحيث إن كل مواطن مصري يشعر بالآثار الإيجابية للنمو، وهذا غير حاصل حاليًا خاصة مع تأثر الطبقات المتوسطة والفقيرة والأشد فقرًا، وبالتالي هناك ضرورة أن يوفر هذا النمو فرص عمل داخل المجتمع المصري، ويبني قدرات الشباب والمرأة، لأن مشاركة المرأة المصرية في الاقتصاد المصري لاتزال ضعيفة جدًا، مع دعم بناء القدرات للحصول على فرص العمل لهذه الفئات.  

وأشارت الحماقي إلى أنه بالنسبة للضوابط التي تحدد تنفيذ المشروعات التنموية الكبرى بما لا يؤثر على القطاعات الأخرى مثل التعليم والصحة، مؤكدة أن الحكومة اتخذت قرارات مؤخرًا بوقف الاستثمارات العامة الكبرى، ووضع ضوابط وقيود لها وهو قرار صحيح. كما أن أي نفقات قد تؤثر على حصيلة النقد الأجنبي يجب وضع أطر لها لأن المديونية الخارجية لا تحتمل المزيد وهى سبب رئيسي لانخفاض قيمة الجنيه المصري، وما يترتب عليها من موجات تضخمية عنيفة.

وحذرت الشافعي، من تنامي حالة عدم الرضا بين المواطنين نتيجة ارتفاع الأسعار وعدم الرقابة الحكومية على ذلك مما ساهم في قيام الكثير من المواطنين باللجوء لسلوكيات اقتصادية غير صحية للاقتصاد الوطني منها زيادة حالات اللجوء للتمويل الاستهلاكي بشكل مبالغ فيه، خاصة مع تراجع معدلات الادخار بين المواطنين، وانخفاض قيمة الجنيه المصري، وقد يؤدي ذلك في النهاية لقيام البعض بأنشطة وممارسات غير مشروعة.

وفيما يتعلق بملف الصناعة المصرية أكدت الشافعي على ضرورة وجود استراتيجية واضحة للتصنيع قابلة للتنفيذ، وذلك حتى يكون هناك فرصة للتصدير في ظل تضائل قيمة التصدير، لافتة إلى أنه يجب استغلال فرص التصدير المتاحة وبشكل خاص مع الدول الأفريقية.  

في حين تؤكد حماقي على ضرورة التوجه نحو تنفيذ مبادرة 100 مليار دولار صادرات، التي يجب تفعيلها مع إعادة هيكلة المشروعات الكبرى ودراستها جيدًا خاصة التي تحتاج عملة صعبة، وإعادة النظر فيها مع إحلال الواردات بمنتجات محلية بديلة لتوفير النقد الأجنبي.

وشددت الحماقي على أهمية التركيز على تحويلات المصريين في الخارج وتشجيع نموها وتوظيفها التوظيف الأمثل.

ووفقا لبيانات البنك المركزي المصري، فقد ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الفترة من أول يوليو 2025 إلى نهاية مايو 2026  لتصل إلى نحو 43.1 مليار دولار مقابل نحو 32.8 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام المالي السابق وبزيادة بلغت 31.2%.

 وعلى المستوى الشهري، ارتفعت التحويلات خلال مايو 2026 إلى نحو 3.9 مليارات دولار من 3.4 مليارات دولار خلال الشهر المماثل من 2025 وبارتفاع 13.5%.

ضرورة مراعاة الحماية الاجتماعية

وحول كيفية مراعاة الحماية الاجتماعية في ظل هذا البرنامج الاقتصادي الوطني، أشارت الشافعي إلى أن هذا الملف في غاية الأهمية، خاصة مع التدهور الحالي في مستوى التعليم والخدمات الصحية وهو ما يحتاج لاهتمام أكثر من ذلك، كما أنه هناك أزمة في ملف زيادة الأسعار نتيجة ضعف الرقابة الحكومية على السوق.

وتؤكد حماقي على أهمية تقييم تجربة التأمين الصحي في محافظة بورسعيد أولى المحافظات التي تم تطبيق التجربة عليها للاستفادة منها في المحافظات الأخرى على أن يتم الإعلان عن هذه النتائج التي تم تقييمها. بينما يحتاج قطاع التعليم لمشاركة، ورقابة شعبية دائمة لتحسين مستويات الخدمة في هذا القطاع الحيوي.

وأضافت الشافعي، أنه مع تحول الحكومة للدعم النقدي بدلًا من الدعم العيني يجب وضع معايير واضحة لذلك، كما ينبغي الإعلان بشكل واضح عن أسباب خروج بعض المواطنين من الدعم التمويني والأسس التي تم الاستناد إليها لخروج بعضهم وحرمانهم من البطاقة التموينية.

وطالبت الشافعي، بأهمية تفعيل وثيقة ملكية الدولة التي لاتزال في طي الأدراج، مع إعطاء القطاع الخاص فرص أكبر للمشاركة في المشروعات المختلفة، وأن تكون الدولة هى المنظم للخدمات والقطاعات المختلفة، وليس من يقوم وينفذ الأنشطة الاقتصادية المختلفة، حتى يكون هناك معايير للعدالة والمنافسة في الاقتصاد مشيدة بتسهيل بعض الإجرءات للمستثمرين مثل سياسة الشباك الواحد، ومنصة مصر الرقمية، وإن كانت لاتزال هناك بعض الإجراءات البيروقراطية تحتاج لإصلاح.

وطالب الحماقي بتطبيق نماذج الشراكة مع القطاع الخاص حيث لدينا العديد من التجارب الناجحة للشراكة بين القطاع العام والخاص في مصر مثل نموذج الشركة الشرقية للدخان، وكذلك نماذج ناجحة في شركات الأدوية التي حدث فيها شراكة بين القطاعين العام والخاص، لذا ينبغي تعميم هذه التجارب الناجحة، والاستفادة منها، على أن يتم بيعها في مرحلة تالية للشراكة بعد زيادة قيمتها السوقية ومن هنا يمكن بعد ذلك الطرح في البورصة المصرية.

وأطلقت الحكومة الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة "تعميق الإصلاح وتعظيم الأثر" 2026/ 2030، خلال شهر يونيو الماضي، حيث ترتكز فلسفة الإصدار الثاني لوثيقة سياسة ملكية الدولة على الانتقال من منطق إدارة الأصول إلى إدارة دور الدولة، حيث يوضح دور الدولة في الاقتصاد كإطار حاكم لتتحول الدولة إلى منظم ومُمَكّن وتهيئ البيئة المواتية للقطاع الخاص،وفق بيان رسمي لمجلس الوزراء.  

أخبار مشابهة