معركة سقف الديون الأمريكية تدخل مرحلة الخطر

أخر تحديث 2023/05/21 08:31:00 ص
معركة سقف الديون الأمريكية تدخل مرحلة الخطر

يبدو أن عام 2023 يأبى إلا أن يكون عاما مليئا بالتحديات الاقتصادية، فبعد أزمة البنوك التى أصدرت شهادة وفاة بنوك أمريكية وأوروبية عريقة، ندخل الآن فصلا جديدا من مأساة 2023 الإغريقية، وهو فصل معركة رفع سقف الديون الأمريكية والذى يقترب مما يسمى بالـX Date أو «التاريخ إكس»، وهو التاريخ الذى ستنفد فيه جميع سبل التمويل المسموحة قانونا للخزانة الأمريكية.

كانت التوقعات الأولية لهذا التاريخ تتأرجح بين شهري يوليو وأغسطس العام الحالي، ولكن فى أوائل مايو فاجأتنا «جانت يلين» وزيرة الخزانة الأمريكية بأن التاريخ فى تقديرها يقع فى النصف الأول من يونيو. فما هو سقف الدين ولماذا يعتبر مشكلة وما هي سيناريوهات تطور الأحداث والتأثيرات المتوقعة؟

مثل العديد من دول العالم تحتاج الموازنة الأمريكية إلى تمويل عن طريق الاقتراض الذى عادة ما يكون فى شكل طروحات فى أسواق الدين من سندات خزينة قصيرة الأجل وسندات طويلة الأجل. ويسمح القانون الأمريكي بحد أقصى لهذا الدين ولكن حجم اقتصاد الولايات المتحدة وموضعها كدولة عظمى تملك أهم عملة فى العالم يعنى بالضرورة أن سقف الديون يحتاج أن يتم رفعه بصفة شبه مستمرة لأسباب يطول شرحها وليس هذا موضعها. لذلك يتعين على المشرع الأمريكي بصفة دورية مراجعة سقف الدين المسموح قانونا لكى يتم السماح بالمزيد من الاستدانة.

وبما أن المجالس التشريعية الأمريكية حاليا منقسمة بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي فذلك يعنى الدخول فى مفاوضات طويلة وصعبة. فى السنوات السابقة رأينا الجمهوريين يتحولون إلى صقور مالية عندما ينتمي الرئيس إلى الحزب الديمقراطي، ورأيناهم يتحولون على النقيض إلى حمائم عندما ينتمي الرئيس إلى الحزب الجمهوري. بمعنى آخر الحزب الجمهوري ليس لديه مانع من زيادة حجم الدين عندما يكون الرئيس جمهوري، فذلك يعطى دفعة للاقتصاد تزيد من فرص إعادة انتخابه.

أما عندما ينتمي الرئيس للحزب الديمقراطي، مثل الوضع الحالى وكذلك فى وقت أوباما، فيملأ الجمهوريون الدنيا صراخا منادين بالمسئولية المالية عند وضع الموازنات. يدخل الجمهوريون المفاوضات وعينهم على عدد من المكتسبات من شأنها أن تعرقل النمو الاقتصادي تحت إدعاء المسئولية المالية Fiscal Responsibility.

فى المرات السابقة، كانت المفاوضات صعبة ولكن يبدو أن هذه المرة ستكون الأكثر صعوبة، حيث إن الحزبين الجمهوري والديمقراطي يدخلون المفاوضات وهم بعيدون أشد البعد عن نقطة التقاء، متأثرين بذلك أيضا بالوضع السياسي داخل الحزبين، ففى كلا الحزبين حرب داخلية جعلت بعض المحللين يذهبون لتوقع أن تنقسم الأحزاب على نفسها إلى ثلاثة أو أربعة أحزاب. الحزب الديمقراطي فيه تيار قوي وعالي الصوت يحاول جذبه ناحية اليسار وإن كان التيار الوسطي مازال له الغلبة وهو ما دعم حظوظ الحزب الديمقراطي فى الانتخابات الأخيرة.

أما الحزب الجمهوري فقد استولى عليه التيار اليميني وإن كان مازال فيه تيار قوي على يمين الوسط، لذلك فالتوافق داخل أى من الحزبين أصبح شديد الصعوبة ويحتاج مفاوضات مضنية. وقد رأينا نموذجا على ذلك عندما احتاج الحزب الجمهوري لاختيار رئيسه الأغلبية بعد الانتخابات الأخيرة، وهو ما احتاج وقتا ومجهودا مضاعفا عن المعتاد.

السيناريوهات متعددة ولكن أهمها وأكثرها ترجيحا فى تقديري هي:

1ــ حدوث ضغط قوي على السياسيين من مجتمع الأعمال المحلى والعالمي أو من أسواق المال والتمويل الأمريكية والعالمية مما يضطر الحزبين إلى التوافق سريعا، وتلك أكثر السيناريوهات المحمودة حتى وإن كان لها تأثير طويل الأمد بسبب التأخر فى الوصول لحل.

2ــ أن تقوم الحكومة الأمريكية بوقف بعض المخصصات لمصروفاتها اليومية حتى تستطيع سداد الديون التى تستحق أثناء فترة التفاوض، حيث أن عدم الوفاء بالمديونيات الأمريكية من شأنه أن يتسبب فى انهيار النظام الاقتصادي العالمي ربما فى خلال أيام معدودة.

3ــ أن يضرب الرئيس الأمريكي عرض الحائط باشتراطات سقف الدين حتى يستطيع الابقاء على معدلات الصرف، كما هى فى أثناء فترة التفاوض، ولكن المشكلة أن ذلك سيكون خرقا واضحا للقانون يعرض الإدارة للمساءلة أمام المحاكم.

أما عن التأثير الحتمي حتى الوصول للحل فهو تصاعد نسبة الفائدة على الدولار الأمريكي خاصة للآجال القريبة لتعويض مخاطر احتمالات التخلف عن السداد. وذلك سيتسبب فى ضغط على أسواق التمويل العالمية، وبالتالي مزيد من الضغط على أسواق الدول النامية وعملاتها. أما تأخر الحل كثيرا فمن شأنه أن يتسبب فى حوادث مالية واقتصادية كثيرة متفرقة فى أنحاء العالم قد نراها فى صورة انهيارات أو إفلاسات من الصعب توقعها اليوم ولكنها تعيدنا كما توقعت مرارا للحوادث الاقتصادية المتفرقة التي حدثت فى الثمانينيات والتسعينيات.

على أي حال هى معضلة تجعل كل من يعاني من ضعف فى هيكله التمويلى سواء شركات أو مؤسسات أو دول تحت منظار الأسواق الذي لا يرحم.

بالتعاون مع جريدة الشروق

العلامات
سندات تمويلات
محمد الهوارى

يشغل محمد الهواري منصب مدير صناديق استثمار تحوط أوبليسك منذ عام 2018. بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال من الجامعة الأمريكية في القاهرة عام 1995، عمل في شركة العائلة المتخصصة في مجال الحديد والصلب حتى حصوله على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال. أنشأ بعدها مكتب الاستثمار العائلي الذي تحول فيما بعد لشركة الأندلسية للاستشارات المالية والاستثمار، ثم شغل منصب مدير صناديق الشرق الأوسط لشركة جروفن لإدارة الصناديق قبل أن يشارك في إنشاء صناديق أوبليسك.