معادلة جذب الاستثمارات سوق صرف حر وسعر عملة موحد

أخر تحديث 2024/04/15 10:25:00 ص
معادلة جذب الاستثمارات سوق صرف حر وسعر عملة موحد

منذ 2016 كنت مهتمًا بمتابعة عملية الاصلاح النقدي وكنت من اشد المدافعين عنها انطلاقًا من اختلاطي الدائم بالمستثمرين الاجانب الراغبين في الاستثمار في قطاعات الاقتصاد المصري المختلفة والذين يشكل لهم استقرار سعر الصرف عاملًا حاسمًا في اتخاذ قرار الاستثمار سواء بضخ الأموال في مشروعات جديدة أو في توسعة استثمارات قائمة بالفعل مع التأكيد على أن مفهوم الاستقرار النقدي يجب أن يتضمن شقين هما حرية التداول وسعر الصرف الموحد وشددت في أكثر من مقال وحديث صحفي وإعلامي على أن الاستقرار النقدي القائم على حرية التداول هو أساس النجاح لأي اصلاحات تالية او استثمارات قادمة.

 

ومع نجاح الحكومة في تنفيذ التعويم الكامل مطلع الشهر الماضي وما تلقيته من استحسان عدد من المستثمرين الاجانب أود التأكيد وبصفة عامة على أننا لسنا في حاجة إلى إعادة اختراع العجلة خاصة في القضايا الاقتصادية التي تستند الي فكر وتنظير اكاديمي رصين وتجارب مرت عليها عشرات الاقتصاديات المتنوعة ويأتي علي راسها قضية توحيد سعر الصرف والتي يعتبر من المسلمات ان القوة والملائة المالية لأي عملة وطنية تعتمد علي عنصرين لا ثالث لهما.

أولهما وجود سعر صرف واحد للعملة الوطنية مهما تنوعت استخداماتها بحيث يصبح سعر صرف العملة في البنوك هو نفسه السعر في الصرافات هو نفسه سعر صرف المعاملات الحكومية هو نفسه سعر الصرف في الجمارك والمبادلات المماثلة دون الاخلال بفوارق هوامش اسعار البيع والشراء لكن وفق قاعدة عامة هي سعر الصرف الموحد لان ذلك سيمنع تحول اي عملة مهما كان اهميتها من اداة للتداول الي سلعة تخضع للمضاربات او الاتجار غير المشروع وخلق سوق سوداء كما انه سيوفر للمستثمرين ومخططي السياسات بيئة امنة وقوية لتخطيط عملياتهم واستثماراتهم المستقبلية دون التعرض لمخاطر الخسائر بفعل المضاربات علي اسعار العملات وبالتالي استمرار تدفق الاستثمارات الاجنبية سواء المباشرة او غير المباشرة واضفاء مزيد من القوة لسوق الصرف المحلي والعملة المحلية .

المبدأ الثاني هو حرية التداول بمعني عدم وجود موانع تعوق التحول من عملة لأخري او فتح اعتمادات مستندية بها او اجراء تحويلات محلية او دولية باي عملة فضمان حرية التداول في اطار قانوني واضح وملزم وشفاف هو استكمال للمبدأ الاول وتأكيد علي ضمان حقوق المستثمرين الاجانب في استرداد اموالهم او تحويل ارباحهم فمن الحقائق الراسخة والتي لا عيب فيها ان راس المال جبان وضمان حريته سيضمن استقراره كلاعب مهم في عملية التنمية الاقتصادية من ناحية وعنصر اضافي لقوة سوق العملة من ناحية ثانية .

كما ان حرية التداول ستكون هي الضامن الفعلي لمنع اي مضاربات في اي عملة او تحول العملات الاجنبية الي ادوات استثمار في حد ذاتها وعدم الوقوع في فخ الدولرة او فخ توالي ازمات العملة التي عادة ما يكون لها اثار مدمرة علي الاقتصاد الحقيقي.

ومع أعمال هاذين المبدأين يجب ان يكون هناك ادراك بان العملة هي من الادوات المالية او وفق التعبير الاقتصادي اهم ادوات تنفيذ السياسات النقدية والمالية وهي بالطبع تؤثر وتتأثر بالاقتصاد الحقيقي وما يمثله من حجم ومعدل نمو وايرادات بالعملات الاجنبية وموقعه من الاقتصاد العالمي استيرادًا وتصديرًا وتسويات ميزان المدفوعات بين الدول.

ورغم ذلك فان خفض قيمة العملة لا يرتبط بالضرورة بضعف الاقتصاد الحقيقي الذي اذا ما امتلك عناصر القوة التصديرية تحولت العملة الي مجرد اداة تساعد في تحقيق المزيد من القوة الاقتصادية لكن في حالة ضعف الاقتصاد الحقيقي وانخفاض مجالاته التصديرية هنا نكون امام مشكلة مزمنة واحتياج دائم للعملة الأجنبية يحولها للأسف من مجرد ادة الي سلعة مضاربة تهدد اداء الاقتصاد الحقيقي اذا لم يتم الالتزام بهذه المبادئ الاساسية الي حين زيادة الصادرات بما يتجاوز الاحتياجات الاستيرادية.

ولعل أبرز الامثلة هنا هو الصين فانخفاض عملتها المحلية هو اداة من ادواتها الهامة في اختراق الاسواق بحجم مهول من الصادرات وتدفقات مليارية من عوائدها بكل عملات العالم حتي اصبحت الصين بفضل هذه العوائد اكبر مالك اجنبي لديون الولايات المتحدة الامريكية حيث تحوز الحكومة الصينية سندات امريكية بحوالي 850 مليار دولار.

ولعل هذه الحالة هي ما دفعت الادارات الامريكية منذ الازمة العالمية في 2008 الي الضغط علي الحكومة الصينية لرفع قيمة عملتها امام الدولار وقد ظل هذا البند حاضرا في جميع المفاوضات التجارية بين الصين والولايات المتحدة علي مدار العقد الماضي ومكافحة الصين في عدم الاستجابة له لان انخفاض قيمة العملة الصينية هو احد ادوات قوتها الاقتصادية بحجم صادراتها الهائل لكافة الاسواق في امريكا و اوروبا واسيا وافريقيا واي رفع لقيمة العملة سيؤثر علي خطط العملاق الصيني التوسعية علي الساحة الدولية خاصة في الدول النامية والقارة الافريقية التي تعتبر المنجم الخلفي للألة الصناعية الصينية العملاقة.

ومع الاشادة بجرأة البنك المركزي المصري في تحقيق التحرير الكامل لسعر الصرف والقضاء علي السوق الموازية فإننا يجب التأكيد علي ان الاصلاح النقدي ما هو الا طلقة البداية ولازال امامنا مشوار طويل من الاصلاح الهيكلي الحتمي والضروري خلال الفترة القادمة وهو ما سنتناوله في اللقاء القادم بإذن الله.

مقالات الرأى المتعلقة

مهند عدلي

مهند عدلي هو الرئيس التنفيذي لـ سبينيس إحدى الشركات الرائدة في مجال تجارة التجزئة في مصر والشرق الأوسط، ويُعد من أهم الخبراء البارزين في مجال التجارة. تخرج من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1996؛ وفي عام 2014 تولى عدلي منصب الرئيس التنفيذي لـ سبينيس مصر؛ حيث بدأ مهند في دراسة كافة الأوضاع ووضع خطة طموحة إلى جانب تجهيز فريق عمل قادرعلى إنجازها لتصبح من أكبر الشركات التي تعمل في مجال تجارة التجزئة في مصر.